الصفحة 128 من 375

في ذلك (وقيل إنه لأبي تمام) :

حمدتك ليلة شرفت وطابت * * * أقام سهادها ومضى كراها

سمعت بها غناء كان أولى * * * بأن يقتاد نفسي من عناها

ومسمعة يحار السمع فيها * * * ولم تصممه لا يُصمم صداها

مرت أوتارها فشفت وشاقت * * * فلو يستطيع حاسدها فداها

ولم أفهم معانيها ولكن * * * ورت كبدي فلم أجهل شجاها

فكنت كأنني أعمى معنى * * * بحب الغانيات وما رآها" (25) "

وقال محمد بن بشير:

"وما أفهم ما يعني * * * مغنيه إذا غنى"

ولكن من حبي * * * له أستحسن المعنى" (26) "

قال أبو عبدالرحمن: وصح أن شعراء يغنون شعرهم بعد قولهم له، فهم يسترجعون الألحان الغنائية التي هدتهم إلى شعر موزون.

فإن وجد شاعر يبدع لحنًا آخر لقصيدة قد قالها فلا يعني ذلك أن الشعر ولد قبل اللحن، لأن اللحن أبو المعايير، وكل معيار لوزن الكلام فمآله إذا اضطربت الأسماع إلى الغناء.

وصح أن الشعر يطلق مرادفًا للغناء، لأن الشعر يقال من أجل الغناء به.

وصح أن وجود الغناء بمجالسه وآلاته وقوانينه من البدهيات التاريخية في حياة الجاهلين.

قال ابن عبدربه:"قال أبو المنذر هشام ابن الكلبي: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب، والسناد، والهزج."

فأما النصب فغناء الركبان والقينات، وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج فالخفيف كله، وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم.

وإنما كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهرًا فاشيًا وهي: المدينة، والطائف، وخيبر، ووادي القرى، ودومة الجندل، واليمامة، وهذه القرى مجامع أسواق العرب" (27) ."

وزاد ابن رشيق تفصيلًا فقال:"وغناء العرب قديمًا على ثلاثة أوجه: النصب، والسناد، والهزج."

فأما النصب فغناء الركبان والفتيان .. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وهو الذي يقال له المرائي، وهو الغناء الجنابي استقه رجل من كلب يقال له جناب بن عبدالله بن هبل، فنسب إليه، ومنه كان أصل الحداء كله، وكله يخرج من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت