الصفحة 130 من 375

في عدة حروفها المتحركة والساكنة، ويفصلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلًا (يكون كل جزء منها مستقلًا بالإفادة لا ينعطف على الآخر، ويسمونه البيت) فتلائم الطبع بالتجزية أولًا، ثم يتناسب الأجزاء في المقاطع والمبادئ، ثم بتأدية المعنى المقصود وتطبيق الكلام عليها. فلهجوا به فامتاز من بين الكلام بحظ من الشرف ليس غيره، لأجل اختصاصه بهذا التناسب، وجعلوه ديوانًا لأخبارهم وحكمهم وشرفهم ومحكًا لقرائحهم في إصابة المعاني وإجادة الأساليب واستمروا على ذلك.

وهذا التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة من بحر من تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى.. إلا أنهم لم يشعروا بما سواه لأنهم حينئذ لم ينتحلوا علمًا ولا عرفوا صناعة وكانت البداوة أغلب نحلهم.

ثم تغنى الحداة منهم في حداء إبلهم، والفتيان في فضاء خلواتهم، فرجَّعوا الأصوات وترنموا .. ولم يزل هذا شأن العرب في بداوتهم وجاهليتهم، فلما جاء الإسلام، واستولوا على ممالك الدنيا، وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه (وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم .. مع غضارة الدين وشدته في ترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش) : فهجروا ذلك شيئًا ما، ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو دينهم ومذهبهم (31) .

فلما جاءهم الترف، وغلب عليهم الرفه، بما حصل لهم من غنائم الأمم: صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ، وافترق المغنون من الفرس والروم، فوقعوا إلى الحجاز، وصاروا موالي للعرب، وغنوا جميعًا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير، وسمع العرب تلحينهم للأصوات، خاثر مولى عبيدالله بن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر، ثم أحذ عنهم معبد وطبقته وابن سريج وأنظاره.

وما زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم ابن المهدي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت