وبراهين كثيرة، فالغناء الشعري قطعًا أسبق إلى الوجود من الشعر الإلقائي، ذلك لأن الشعر الإلقائي هو فن ناضج، ولابد أن يكون قد مر بمراحل تطورية سابقة، فهو يدل على رقي في العقلية الإنسانية بينما الغناء نشاط سيكولوجي ضروري الوجود، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك حتى يظهر، لذا فهو عند أي شعب من الشعوب يسبق دائمًا ظهور أي فن من الفنون الجميلة.
إذن فالغناء الشعري الجاهلي أسبق إلى الوجود من الشعر الإلقائي (36) ، لكن فن الشعر بشكل عام قد ولد غداة ولادة الغناء بالفصحى، لأن العرب الفصحاء الأقدمين حين بدأوا يغنون بدأوا أيضًا يقولون الشعر في ذات الوقت" (37) ."
ثم قال أبو الرُّب:"لكن الذي لاشك فيه أن الغناء الشعري المبكر قد تمخض في مرحلة متطورة تالية عن لون آخر من الشعر لا نقول: إنه يختلف من حيث الوزن أو اللغة أو نظام القافية، ولكنه يختلف من حيث كونه لم ينظم خصيصًا للغناء، بل نظم لأغراض اجتماعية أخرى، وليُلقى على أسماع الناس إلقاء خطابيًا."
ونقصد به هذا اللون الكلامي من الشعر الذي كان يجتمع إليه الناس في محافلهم العامة فيلقيه أصخابه عليهم في سوق عكاز وغيره من الأماكن.
على أن هذا الشعر الإلقائي في هذه المرحلة الشعرية الجاهلية المتطورة قد ظل يغني أغلب الأحيان، كما ظل هو أيضًا يعتمد على الغناء في التزام الأوزان، وفي اكتشاف العيوب الشعرية الأخرى"."
قال أبو عبدالرحمن: بيد أن أبو الرُّب لاحظ فساد تقسيم الشعر إلى غنائي وإلقائي بقوله:"من المحقق أن الذي كان يساعد الشاعر الجاهلي في المرحلة الإلقائية المتأخرة على الالتزام العروضي في نظم الشعر هو الغناء والموسيقى تمامًا كما يساعد الغناء الآن الشعب الأردني على انتهاج طرق عروضية معينة أثناء النظم."
فقد قيل: إن امرأ القيس بن ربيعة قد سمى المهلهل، لأنه هلهل الشعر، أو لجمال صوته .. كما أن الخنساء كانت مراثيها بمصاحبة الإيقاع، وقيل: إن علقمة بن عبدة كان مشهورًا