الصفحة 134 من 375

بغناء المعلقات" (38) ."

قال أبو عبدالرحمن: وثمة ملاحظة أخيرة عن ارتباط الشعر بالغناء، وهي العزف بالشعر، لأن قرع الطبول ونقر الدفوف عزف جاهلي لشعرهم العربي، وهم لا يعزفون إلا بشعر.

إذن الشعر يولد ليغنى به، والقافية تلبي مطالب هذا العزف .. قال الأستاذ الدكتور شوقي ضيف:"نبع الشعر العربي من منابع غنائية موسيقية، وقد بقيت فيه مظاهر الغناء والموسيقى واضحة، ولعل القافية أهم تلك المظاهر، فإنها واضحة الصلة بضربات المغنين وإيقاعات الراقصين.. إنها بقية العزف القديم، وإنها لتعيد للأذن تصفيق الأيدي، وقرع الطبول، ونقر الدفوف .. كما تعيد ذلك شارات أخرى للغناء نجدها في الشعر القديم .. منها هذا التصريع الذي نجده في مطالع القصائد، كقول امرئ القيس في مفتتح مطولته:"

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * * * بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وعاد إلى التصريع مرة أخرى فقال:

أفاطم مهلًا بعضِ هذا التدلل * * * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملى

ثم صرع ثالثة فقال:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل * * * يصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل

وكأني بهذا التصريع كان يأتي به الشاعر حين ينتهي من غناء قطعة من قصيدته أو إنشادها، وينتقل إلى أخرى، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتهم يفزعون إليه حين ينتقلون من موضوع إلى موضوع في النموذج الفني" (39) ."

وتكلم عن التقطيع الصوتي وقيمة الغنائية فقال:"كثر هذا التقطيع الصوتي في الشعر القديم، فمن ذلك قول امرئ القيس يصف فرسه في معلقته:"

مكر مفر مقبل مدبر معا * * * كجلمود صخر حطه السيل من علِ

ويقول طرفة في مطولته:

بطيئ عن الجلى سريع إلى الخنا * * * ذليل بإجماع الرجال ملهد (40) .

وروى قدامة في نقد الشعر كثيرًا من مثل هذه الأبيات التي تنثر في الشعر القديم نثرًا، والتي لاشك في أن الغناء هو الذي دفع إلى صنعها حتى يوفوا للشعر قيمًا صوتية تساعد على تلحينه والترنم به" (41) ."

وقال:"ومهما يكن فإن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت