يعرف كيف بلغ المقصد ولم يتبين الطريق، أو كدارس الرياضيات ينجز العمليات كما لقنها دون أن يدرك أسبابها.
وإن اعترض علينا أحد بقوله:"إن هذه المسائل لا تهم معرفتها عموم الطلبة": أجبنا: أن الطلبة ربما اكتفوا من العلم الظاهر" (55) ."
قال أبو عبدالرحمن: ولا سبيل إلى معرفة فلسفة الزخارف والعلل إلا بسماع اللحن لمعرفة النطق الغنائي الذي ربما اقتضى تحويرًا للنطق الإلقائي كما هو المعتاد الآن في الشعر العامي حينما يكوت لتلاوته نطق غير نطق غنائه.
والألحان التي يغنيها أهل الجاهلية لا سبيل إلى معرفتها اليوم.
قال أبو عبدالرحمن: ما ورد في الشعر العربي من زخارف وعلل حكم العروضيون والسمع المدرَّب بقبحها فنجزم أنها ضرورات لحنية.
فمثلًا الشعر الذي على بحر البسيط ويرد فيه كلمة على وزن مستعلن (/5///5) نجزم بأن الشاعر يغنيها هكذا مساتعلن (أي مستفعلن) /5/5/5 فيتصرف في النطق العربي الفصيح غناء ليكون على مستفعلن، ويتصرف في النطق الغنائي تلاوة ليوافق الوزن العربي مستعلن، فهو إذا غنى ذو ضرورة لغوية لأجل اللحن، وهو إذا نطق ذو ضرورة غنائية لأجل اللغة.
قال أبو عبدالرحمن: ونشأة العروض الخليلية ذاتها ترتبط بالغناء مما يدل على أن الغناء أساس الوزن.
قال الشيخ جلال الحنفي:"وقيل إن الخليل مر بسوق الصفارين فتنبه إلى أساليب من طرق القوم على الطشوت، فرأى ذلك شيئًا يشبه الأوزان المتناسقة، فأخذ من ذلك قواعده في التفاعيل والأبحر (56) ."
وهذا ما نستبعده فإن الخليل كان ذا دراية بالنغم والإيقاع، وهما من الفنون التي تعتمد على الموازين المنسقة التي يحس بها كل ذي ذوق سليم، وكل ذي سمع غير معتل.
وإذا صح من هذه المقولة شيء فهو أن الخليل أعجب بأسلوب القارع على الطشت، فلعله كا يدق على طشته بطريقة متوازنة لطيفة الوقع على السمع، وهذا من الأمور التي قد تقع دائمًا .. غير أن جعل هذه المقولة أساسًا لتدوين قواعد العروض هو الذي