تلحين الأشعار الموزونة على ضروب تناسبها، بينما تخالف العجم هذا المبدأ، فتمد المقصور وتقصر الممدود من اللفظ حتى يتناسق مع الوزن الموسيقي.
وتجدر الإشارة إلى أن المغنين في صدر الإسلام والعصر الأموي وجلهم من من الأجانب قلدوا أسلوب الأعاجم في الغناء، ففسروا الشعر العربي الذي كان متسقًا مع وزن اللحن العربي للتوافق مع ألحان أعجمية لا توافقه، وطوَّعوه لوزن اللحن.
ومما يدعم ادعاءنا هذا كون معظم مغنيي تلك الحقبة من الموالي والأعاجم، وعنهم نشأ الأسلوب الذي أطلق عليه اسم (الغناء المتقن) الذي م أهم خواصه تطبيق إيقاع مستقل عن عروض الشعر على لحن الأغنية (فارمر، 156:63) (70) .
وكان أن تسبب هذا الأسلوب الجديد في جزء من الخلاف الذي نشأ بين مدرستي العصر العباسي الموسيقتين.. فقد انتهج إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق نهج المدرسة العربية القديمة، بمحاولتها الحفاظ على تناسق وزن الشعر مع الأوزان الموسيقية بينما خالفها إبراهيم بن المهدي في ذلك.
وإن ما أخذه إسحاق الموصلي على ابن المهدي من إطالة ضمة (ذهبت) وإحالتها واوًا (ذهبتوا) في غنائه: (ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني) لتساوق اللحن أو الوزن الموسيقي لَخيرُ إثباتٍ لصحة ما أشار إليه الجاحظ، وما استنتجناه منه (71) .
ويبدو أن الزمن لم يكن في صالح مدرسة الموصلي إذ أن الأسلوب الجديد راج في زمن الفارابي (870-950) وانحسرت طريقة الموصلي.
وها هو الفارابي يؤكد ذلك بقوله:"وقد يتفق أن تكون مقادير القول الموزون (الشعر) مساوية لأجزاء اللحن ومنطبقة عليه، وقد يتفق أن تختلف."
غير أنه ليس ينبغي أن يراعي في صنعة الألحان مطابقة أجزاء القول الموزون لأجزاء اللحن، ولا مطابقة وزن القول لوزن اللحن، بل إنما ينبغي أن يُجزأ القول بحسب أجزاء اللحن ولا يُلتفت إلى وزن القول كيف كان، ولا يبالي أن لا يتبين وزنه عندما توزع حروفه إلى نغم اللحن.
"الفارابي 1967:1153" (72) .
وهكذا تم