الصفحة 35 من 83

عليها، إذ جل قراءتهم لكتب التوحيد فقط كـ (فتح المجيد) لعبد الرحمن آل الشيخ، وكتاب: (الايمان) لابن تيمية، وما ألف بعد ذلك من كتب المتأخرين ككتاب: (الجامع في طلب العلم الشريف) لعبد القادر بن عبد العزيز ومثلها، فانهم لم يروا الإيمان إلا مرتبة واحدة في الحكم-وإن قالوا بألسنتهم: إن الإيمان يزيد وينقص-وأن الكفر مرتبة واحدة في الحكم-وإن قالوا بألسنتهم: إن الكفر مراتب متعددة-، فحيث رأوا عملًا من الولاء لغير الله سموه كفرًا، ثم حكموا على فاعله بالردة والكفر، دون النظر لمرتبة هذا العمل في دين الله تعالى، وكتب التوحيد التي تتكلم عن الولاء والبراء لا تفصل في هذا، لأن التفصيل مكانه في كتب الفقهاء.

يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في: (الكافية الشافية) في خطورة هذه العمومات وترك التفصيل الذي هو منهج المهتدين من أهل السنة والاتباع:

فعليك بالتفصيل والتمييز فالـ ... إطلاق والإجمال دون بيان

قد أفسد هذا الوجود وخبطا الـ ... أذهان والآراء كل زمان [1]

(1) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (هذان البيتان جريا مجرى الأمثال، وقد ذكرهما العلامة ابن القيم في:(الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية-القصيدة النونية) (ص:82/رقم:774/ 775 - دار ابن خزيمة) هكذا:

فَعَلَيْكَ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ فَالْـ * إِطْلاَقُ وَالْإجْمَالُ دُونَ بَيَانِ

قَدْ أَفْسَدَا هَذَا الْوُجُودَ وَخَبَّطَا الْـ * أَذهانَ والآراءَ كلَّ زمانِ)

وقال الدكتور محمد خليل الهراس في كتابه: (شرح القصيدة النونية) (1/ 143 - فصل في التفريق بين ما يضاف إلى الرب تعالى من الأوصاف والأعيان) :( ... فيجب أن تفرق وتميز بين الأمرين، وأن لا تحكم حكمًا إجماليًا مطلقًا دون تفصيل، فإنه ما أفسد هذا الوجود وأوقع الشجار والنزاع بين الطوائف وأضل العقول والأفكار إلا عدم التفصيل والبيان، والتحديد لمعاني الألفاظ المجملة التي قد يقع في معانيها احتمال واشتباه، وبعض هذه المعاني يكون صحيحًا مرادًا، وبعضها يكون فاسدًا غير مراد، فتشبث طوائف المبتدعة بتلك المعاني الفاسدة، وتفسر الألفاظ بها فتقع في الضلال.

ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-يُعنَى بتحديد معاني الألفاظ عند مناقشته لفرق الزيغ والضلال، ويطالبهم بتحديد مرادهم منها، وهذا تلميذه النابغة يوصي بما أوصى به شيخه، مبينًا أن الفساد كله إنما ينشأ عن الإطلاق والإجمال).

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في: (مجموع الفتاوى) (الكيلانية) (12/ 487/488) ، و (نواقض الإيمان القولية والعملية) (ص:52) : (وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا فيتعارض عندهم الدليلان وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامةَ الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت