الصفحة 59 من 83

غلوه في إطلاق التكفير على عموم البرلمانيين والمنتخبين دون قيود كان ينبغي أن توضع باهتمام:

قال صاحب الجامع:"إن أعضاء البرلمانات الشركية يكفرون وإن لم يشاركوا في وضع التشريعات المخالفة للشريعة [1] ، لأن قبولهم بعضويتها هو إقرار بوظيفتها، ومن أقر الكفر كفر، .... ، وقبل ذاك فإن ترشحهم لعضوية البرلمان هو تحاكم منهم باختيارهم للطواغيت المسماة بالدساتير ... ، ومن تحاكم إلى الطاغوت باختياره كفر، وأما الذين ينتخبونهم لعضوية البرلمان فيكفرون أيضا، لأن انتخابهم هذا هو في حقيقته اتخاذ أرباب من دون الله، كما أنه في مضمونه إقرار بوظيفة البرلمانات التشريعية المطلقة، وهذا كله من الكفر الصريح الذي دلت عليه النصوص السابقة ونحوها، فلا ينظر فيه إلى قصد فاعله كمن يزعم أن نيته الدعوة"

(1) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (كنت في يوم من الأيام أقول بهذا القول حتى كتبت في هذا كتابًا سميته:(القول السديد في بيان أن دخول البرلمان منافٍ للتوحيد) إلى أن قرأت كتبًا كثيرة داخل السجن، من هذه الكتب: (سير أعلام النبلاء) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) ، و (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) ، مع مراسلات كانت بيني وبين شيخي العلامة محمد أبي أويس-حفظه الله تعالى-فغيرت رأيي-بعد أن كتبت كلمات في: (القول السديد) كانت في قلبي كالحجارة، ولم أنتق فيه كريم الألفاظ، ولا نبيل العبارات، ولا أطايب الكلام، ولم أدرك أن من خاصية البشر (الإقناع) وليس (الإقماع) ، وأن الحق مهما ضعف لا ينهزم، وأن الباطل مهما قوي وعلا لا ينتصر، وفهمت مراد الناس، وما لهم وما عليهم، وأدركت أن لنا مع الانتصارات موعدًا، وللظالمين مع انكسارات موعدًا، وإن كانت تنازلاتهم كثيرة لا يحصيها القلم الفصيح، وقد قال الخليل: (من أراد العلم لنفسه فقليل يكفيه، ومن أراد العلم للناس فحوائج الناس كثيرة) .

والذي جعلني أعيد النظر أكثر فأكثر في كتابي: (القول السديد في بيان أن دخول البرلمان منافٍ للتوحيد) قول شيخ الإسلام ابن تيمية في: (مجموع الفتاوى) (19/ 218/219) : (والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا، بل: وإمامًا، وفي نفسه أمورًا من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُم على ذلك.

فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل: كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها ... إلى أن قال-في: (19/ 223) : بخلاف أمر النجاشي وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى، فإن أمرهم قد يشتبه ... ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت