الصفحة 34 من 83

وقد نصح الشيخ أبو قتادة الشباب الذين يعتمدون على كتب التوحيد مثل: (فتح المجيد) أو: (الإيمان) لابن تيمية، أو: (الجامع في طلب العلم الشريف) ، بعدم إنزال الأحكام على الوقائع والفتوى في النوازل. وهذا ما عمت به البلوى، فقد تجد بعض الإخوة غفر الله لهم يفتون في الدماء والفروج ومسائل لو عرضت على عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر. فليتذكر الأخ أن بتجرئه على الفتوى قد تجرأ على النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" [1] . وقال ابن القيم في شرح هذا الحديث:"قال ابن هاني سألت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد عن الذي جاء في الحديث: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. قال أبو عبد الله: يفتي بما لم يسمع. قال: وسألته عمن أفتى بفتيا يعي فيها؟ قال: فإثمها على من أفتاها" [2] .

قال الشيخ أبو قتادة:"ظن هؤلاء الشباب -هداني الله وإياهم- أن معرفة التوحيد كافية للفتوى في كل نازلة وواقعة، فقد فهموا أن الولاء لله إيمان، والولاء للكفار كفر، فما من عمل فيه ولاء لله وللمؤمنين إلا وهو إيمان، وما من عمل فيه ولاء للكفار إلا وهو كفر، وهي قاعدة صحيحة ولا شك فيها، ولا ينازع فيها الا محجوج بالكتاب والسنة. والفتوى لا تكفيها القاعدة العامة، والكلام في النوازل لا يصلح مع العمومات، يقول سحنون بن سعيد - رحمه الله تعالى-:"أجرأ الناس على الفتوى أقلهم علما، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه" [3] . لكن لجهلهم بكتب الفقه، وعدم قراءتهم فيها، وقلة اطلاعهم"

(1) - رواه الدارمي مرسلا في مسنده، وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة.

(2) - إعلام الموقعين.

(3) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (هذا الحديث يروى مرفوعًا، ويروى موقوفاُ، وهو(حديث مقطوع) خرّجه ابن عبد البر في: (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 1124/1125/رقم:2211 - دار ابن الجوزي) ، أو: (2/ 603/604/رقم:2210 - مكتبة العلوم والحكم) من طريق علي بن محمد بن مسرور قال ثنا أحمد بن أبي سليمان قال: سمعت سحنون بن سعيد يقول:"أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه".

قال سحنون: (إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب حتى أتخير، فلم أُلام على حبس الجواب؟) .

ورواه أيضًا ابن عبد البر في: (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 816/817/ 1124/رقم:1515/ 1527/2210 - دار ابن الجوزي) ، أو: (2/ 408/603/رقم:1527/ 2208 - مكتبة العلوم والحكم) من طريق آخر عن ابن شعبان، قال: نا إبراهيم بن عثمان، نا حمدان بن عمر، نا نعيم بن حماد قال: سمعت ابن عيينة يقول: (أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا باختلاف العلماء) .

إلا أنّ هذا الإسناد ضعيف، لأنه من رواية ابن شعبان-وهو محمد بن القاسم-ونعيم بن حماد وفيهما مقال.

وقد ذكره الذهبي في: (سير أعلام النبلاء) (8/ 30 - مكتبة صفا) -عند ترجمة الإمام سحنون, بغير إسناد، وكذلك ذكره ابن الجوزي في: (تعظيم الفتيا) (ص:38) عن يحيى بن آدم ثنا حماد بن شعيب عن عمير بن سعيد عن علقمة في قصة ذكرها ثم قال: (أجرأ القوم على الفتيا أدناهم علمًا) .

-وقال الحافظ ابن عبد البر في: (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 816/رقم:1525 - دار ابن الجوزي) ، أو: (2/ 408/رقم:1525 - مكتبة العلوم والحكم) -وابن المبارك في: (الزهد) (رقم:413) -من طريقه إلى نعيم بن حماد قال: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت أيوب السختياني يقول: (أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا باختلاف العلماء، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء) .

وصح نحوه عن سفيان بن عيينة من طريق إسحاق بن راهويه عنه بلفظ: (أعلم الناس بالفتوى أسكتهم فيها، وأجهل الناس بالفتوى أنطقهم فيها) رواه أبو نعيم في: (الحلية) (7/ 331/رقم:10731) ، وعنه الخطيب في: (الفقيه والمتفقه) (2/ 166) ، أو: (ج11/ 2/709/رقم:1079 - دار ابن الجوزي) .

وقال الخطيب البغدادي: (قلت: وقلَّ من حَرص على الفتوى، وسابَقَ إليها، وثابَرَ عليها إلا قل توفيقُه، واضطرَب في أمره، وإذا كان كارهًا لذلك غيرَ مختار له، ما وَجد مندوحةً عنه، وقدرَ أن يُحِيل بالأمر فيه على غيره، كانتِ المعونةُ له من الله أكثر، والصلاحُ في فتواه وجوابِه أغلبُ) .

وقال الشيخ الألباني-على المرفوع-في: (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (4/ 294/رقم:1814 - مكتبة المعارف الرياض) : (ضعيف، أخرجه الدارمي في:(سننه) (1/ 57) من طريق عبيد الله بن أبي جعفر-مرفوعًا.

قلت: وهذا إسناد ضعيف لإعضاله، فإن عبيد الله هذا من أتباع التابعين، مات سنة: (136) ، فبينه وبين النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-واسطتان أو: أكثر).

انظر تخريجه بتوسع في: (أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب) (ص:31/رقم:53 - دار الكتاب العربي) ، و (الجامع) (رقم:183) ، و (ضعيف الجامع) (رقم:147) ، و (كشف الخفاء) (1/ 51/رقم:113) ، و (النوافح العطرة في الأحاديث المشتهرة) (ص:19/رقم:36 - مؤسسة الكتب الثقافية) ، و (موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة) (1/ 340/رقم:577) ، و (كنز العمال) (رقم:28961) ، وقد بنى على هذا الحديث المرسل الدكتور علي أحمد السالوس كتابًا سماه: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) في مائتين وأربعين صفحة، من مطبوعات دار الثقافة قطر، ودار الاعتصام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت