إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وبعد ...
فلست أحسب أن مفهومًا قد تعرض لقدر من الخلط والتشويه كالذي تعرض له مفهوم الجهاد في الإسلام، فبالإضافة إلى تلك الآراء المغرضة التي عهدناها في كتابات المستشرقين وأفراخهم، فإننا لا نزال نطَّلع بين الفينة والأخرى على كتابات لبعض المسلمين - بل لبعض المنتسبين للعلم والدعوة - تفرغ الجهاد الإسلامي من مضمونه بحيل شتى وأساليب عجيبة.
وقد يتفهم المسلم الواعي موقف الغرب الكافر من قضية الجهاد في الإسلام؛ فالعارفون من الغربيين يعلمون جيدًا أن غاية الجهاد في الإسلام أن لا يبقى في الأرض دين غير الإسلام كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال: 39) ، والفتنة الشرك كما قال ابن عباس وغيره من السلف.
كما أن المسلم الواعي قد يتفهم أيضًا موقف أولئك العلمانيين الذين رضعوا من أفكار الغرب وسمومه، فصاروا حربًا على أمتهم وأوطانهم، فإنهم ما بين جاهل لا يعرف من أمر الإسلام شيئًا، ومعاند يعرف الحق ثم يحيد عنه، وهم في كلتا الحالتين مصنفون في خانة العداء لشرع الله عز وجل.
أقول: قد يتفهم المسلم الواعي هذا الموقف أو ذاك، ولكن الذي يحار فيه عقل المرء المسلم هو موقف أولئك النفر من المنتسبين للعلم والدعوة الذين كان يفترض فيهم أن لا يسكتوا عن كلمة حق ينبغي أن تقال؛ فإذا بهم يتحولون - من حيث يشعرون أو لا يشعرون - إلى أبواق تردد ما يشتهي أهل الباطل، ولو كان ذلك بِلَّي أعناق النصوص وتحميلها ما لا تحتمل.
وبين يديَّ الآن كتاب للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بعنوان"الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه"، وقد ضمَّن كتابه هذا بعض الآراء التي أراها مخالفة لما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأتى بأقوال غريبة لا سلف له فيها - فيما أعلم - والعجيب أنه ينسب تلك الأقوال إلى بعض الأئمة من أهل العلم والدين.
ولما كان الدكتور البوطي ليس بالرجل المغمور، بل إنَّ لكتاباته رواجًا عند الكثيرين، ولما كان بيان الحق واجبًا علينا - معاشر المسلمين - فقد استخرت الله تعالى في كتابة هذه الفصول التي أعقب فيها على بعض ما جاء في الكتاب المذكور.
والله يعلم أني ما ابتغيت من وراء ذلك تجريحًا ولا إساءةً، وإنما قصدت بيان الحق والنصح للمسلمين، وأسأله سبحانه أن يلهمنا رشدنا وأن يهدينا سبلنا وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل إنه سميع مجيب ... آمين
عبد الآخر حماد
23/ 2/1418 هـ
29/ 6/1997 م