أولًا: مرحلة الاقتصار على الجهاد الدعوي - العصر المكي:
أرسل الله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وكان أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (العلق: 1) - كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري وغيره [45] -
ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالإنذار فقال: {يا أيها المدثر، قم فأنذر} (المدثر: 1 - 2) .
قال ابن كثير: (أي شمر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة) [46] .
لكن الدعوة كانت سرية في باديء الأمر، وقد استمرت تلك السرية ثلاث سنين، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يظهر الدعوة في قومه خاصة ثم في الناس عامة، فقال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء: 214) ، وقال تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} (الحجر: 94) .
وببداية الدعوة الجهرية بدأ عصر جديد في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث بدأ أذى المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورًا طيلة العصر المكي بالعفو والصفح وكف اليد عن المشركين، كما قال تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} (البقرة: 106) ، وقال: {لتُبلَون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} (آل عمران: 186) ، وقال: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ... } (الجاثية: 14) ، وقال سبحانه: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ... } (النساء: 77) .
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (كان المسلمون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين إلى حين ... ) [47] .
وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا ... الآية} ، وقال: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم ... إلى آخر الآية} ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم ... ) [48] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا ... ) [49] .
وظل صلى الله عليه وسلم على هذه الحال من الصبر والعفو حتى أذن الله له بالقتال وكان ذلك بعد هجرته إلى المدينة، فلم يكن في العصر المكي جهاد إلا جهاد الدعوة والبيان، كما قال تعالى: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} (الفرقان: 52) ؛ أي بالقرآن الكريم.
ثانيًا: مشروعية الجهاد القتالي - العهد المدني:
اتفق أهل العلم على أن الجهاد القتالي قد مر بمراحل ثلاث:
1)أولها مرحلة الإذن فيه دون فرضية:
وهي المرحلة التي نزل فيها قول الله عز وجل: {أذن للذين يُقاتَلُون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ... } (الحج: 39) ، وهي أول آية نزلت في القتال كما قال ابن عباس رضي الله عنهما [50] ، وقد ذهب قوم إلى أن هذا الإذن كان بمكة.
والصواب أنه كان بالمدينة بعد الهجرة؛ لما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما أُخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فنزلت: {أُذِن للذين يُقاتلون بِأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير ... الآية} ، فقال أبو بكر: لقد علمت أنه سيكون قتال) [51] .
قال ابن القيم: (فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده الله بنصره وبعباده المؤمنين ... رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح، حتى قويت الشوكة واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذٍ في القتال ولم يفرض عليهم فقال الله تعالى: {أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير} ... ) [52] .
ثم رد رحمه الله القول بأن هذا الإذن كان في مكة من عدة وجوه، فلتراجع هناك.
2)وثانية هذه المراحل مرحلة فرضية القتال لمن بدأ المسلمين بالقتال دون من لم يبدأهم:
وهي المرحلة التي قال الله فيها: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا} ، إلى قوله تعالى: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا} (النساء: 90 - 91) .
3)وثالثة هذه المراحل مرحلة قتال المشركين كافة:
من قاتَلَنا منهم ومن لم يقاتل، وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وهذه المرحلة هي التي استقر عندها حكم الجهاد، ومات عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه المرحلة نزلت آية السيف، وهي قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ... } (التوبة: 5) ، وقال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29) .
وفي الصحيح: (أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله) ( [53] .
وفيه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا ... ) [54] .
وهذه المرحلة ناسخة لما قبلها من المراحل.
قال ابن عطية في تفسيره لآية السيف: (وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو ما جرى مجرى ذلك، وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية ... ) [55] .
وقال الشوكاني: (أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ... وما ورد في موادعتهم أو تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ بإجماع المسلمين) [56] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكل من بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنه يجب قتاله، {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ، ولأن الله لما بعث نبيه وأمره بدعوة الخلق إلى دينه لم يأذن الله في قتل أحد ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة فأذن الله له وللمسلمين بقوله: {أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير} ، ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} ... ) [57] .
وقال ابن القيم: (وكان محرمًا ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين ... ) [58] .
فقد ظهر من ذلك كله أن الجهاد في الإسلام قد مر بمراحل كانت نهايتها الأمر بقتال المشركين - سواء بدؤونا بقتال أم لا - وكان ذلك الحكم ناسخًا لما قبله من الأحكام.
لكن الدكتور البوطي يخالف ذلك، حيث يقول: (أهم ما يجب ملاحظته والعمل على أساسه في هذا الذي أقول: ضرورة ربط كل من هذه الحلقات المتواصلة من أنواع الجهاد - على صعيد التطبيق - بمثل المناخ الذي نشأ فيه وتسبب عنه، ذلك لأن المعاني التي ذكرناها للجهاد لم تكن أطوارًا تتقلب شرعة الجهاد خلالها لتستقر عند آخر طور لها، كما هو الشأن في تحريم الخمر مثلًا، وإنما هي عبارة عن شرائع جهادية متعددة تنفذ كل شرعة منها في حالاتها وظروفها الملائمة ... ) [59] .
وهذا الكلام يرده ما ذكرناه آنفًا من اتفاق السلف؛ على أن أمر القتال قد استقر عند فرضية قتال المشركين كافة، وأن ذلك الحكم قد نسخ ما قبله.
وتكمن خطورة هذا الكلام؛ في أن المؤلف يبني عليه أحكامًا عملية، مفادها أنه لا يجوز القتال من أجل إيجاد الدولة المسلمة التي تحتكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإنما يكون القتال دفاعًا عن هذه الدولة إن وجدت - كما سنبين في فصلٍ تالٍ بمشيئة الله -
[45] أخرجه البخاري (3) ومسلم (160) .
[46] تفسير القرآن العظيم (4/ 441) .
[47] المصدر السابق (4/ 150) .
[48] أخرجه البخاري (4566) .
[49] أخرجه النسائي (6/ 3) والحاكم (2/ 307) وصححه.
[50] أخرجه النسائي (6/ 2) .
[51] أخرجه الترمذي (3171) وقال حديث حسن، والنسائي (6/ 2) وزاد في آخره قول ابن عباس:"فهي أول آية نزلت في القتال"وأخرجه الحاكم (3/ 7 - 8) دون هذه الزيادة، وقال صحيح على شرط الشيخين.
[52] زاد المعاد (2/ 58) .
[53] أخرجه البخاري (25) ومسلم (22) من حديث ابن عمر، وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري (1399) ومسلم (21) والترمذي (2606) وأبو داود (1556) والنسائي (5/ 14) وأحمد (1/ 19) ، وعن أنس عند البخاري (392) وأبو داود (2641) والترمذي (2608) والنسائي (7/ 75) وأحمد (3/ 224) .
[54] أخرجه مسلم (1731) وأبو داود (2612) والترمذي (1617) وابن ماجه (2858) من حديث بريدة.
[55] تفسير ابن عطية (6/ 412) .
[56] السيل الجرار (4/ 519) .
[57] مجموع الفتاوى (28/ 349 - 350) .
[58] زاد المعاد (2/ 58) .
[59] الجهاد في الإسلام ص: 26.