الصفحة 15 من 23

(2) رده الاستدلال بحديث؛"أمرت أن أقاتل الناس ..."

ذكرنا من قبل أن من الأدلة على أن الكفار يقاتلون ابتداءً بسبب كفرهم؛ قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... الحديث) [179] .

لكن الدكتور البوطي يطعن في صحة الاستدلال بهذا الحديث، مبينًا أن هناك فرقًا بين القتل والقتال، ويقول في [ص: 59] من كتابه: (وبيان ذلك؛ أن كلمة أقاتل على وزن أفاعل، تدل على المشاركة فهي، لا تصدق إلا تعبيرًا عن مقاومة من طرفين، بل هي لا تصدق إلا تعبيرًا عن مقاومة لباديء سبق إلى قصد القتل، فالمقاوم للباديء هو الذي يُسمى مقاتلًا، أما الباديء؛ فهو أبعد ما يكون عن أن يسمى مقاتلًا، بل هو في الحقيقة يسمى قاتلًا بالتوجه والهجوم، أو بالفعل والتنفيذ إذ لا ينشأ معنى الاشتراك إلا لدى نهوض الثاني للمقاومة والدفاع) .

ثم يفسر الحديث على ضوء هذا التفريق الذي ذكره، فيقول في نفس الصفحة: (معناه: أمرت أن أصد أي عدوان على دعوتي الناس إلى الإيمان بوحدانية الله، ولو لم يتحقق صد العدوان على هذه الدعوة إلا بقتال المعادين والمعتدين فذلك واجب أمرني الله به ولا محيص عنه) ، ثم كرر المؤلف نفس هذا المعنى في [ص: 103] من الكتاب المذكور.

إذن فالمؤلف يرى أن الحديث لا يدل على أننا نبدأ الكفار بالقتال، لأن الحديث عبر بلفظة؛"أقاتل"، وهي عنده لا تأتي إلا تعبيرًا عن دفع العدوان، وأما اللفظ الذي يفيد البدء فهو"أقتل"، ولذلك نجد المؤلف يقول: (لقد كان الحديث مشكلًا حقًا لو كان نصه هكذا؛"أمرت أن أقتل الناس حتى ...") [180] .

أقول: معلوم أن الفعل قاتل، يقاتل، قتالًا، ومقاتلة؛ يدل على المشاركة فهو لا يصدق إلا على قتالٍ مِن طرفين، وأما أنه لا يصدق إلا تعبيرًا عن مقاومة لباديء سبق لقصد القتل؛ فهذا باطل لا يستند على أي دليل من لغة العرب، والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قد جاء فيهما ما يدحض هذا الزعم الفاسد.

-فمن ذلك قوله تعالى: { ... ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} (البقرة: 191) ، فإذا كان الفعل؛"قاتل"لا يأتي إلا بمعنى الدفع ورد العدوان، فإن المعنى يكون وفق ما ذكره الكاتب؛"ولا تردوا عدوانًا وقع منهم حتى يردوا عدوانًا وقع منكم، فإن وقع منهم هذا الرد على بدئكم بالحرب فاقتلوهم"! فهل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟!

بل إن الآية الكريمة قد جاء فيها معنى القتل والقتال، على النقيض مما ذكره الكاتب؛ ذلك أن الآية تقول: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} ؛ أي إن بدؤوكم بعدوان فردوا عدوانهم، فجاء الفعل"قاتل"بمعنى البدء، وجاء الفعل"قتل"بمعنى"رد الاعتداء"، أي خلاف ما ادعاه المؤلف.

-وكذلك قوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} (البقرة: 217) ، فقد وصفت الآية الكفار البادئين بالعدوان بأنهم (يُقاتِلون) ، ولم تقل الآية؛"ولا يزالون يقتلونكم".

-وكذلك قوله تعالى: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} (النساء: 90) ، فقوله: {فلقاتلوكم} ، ليس له معنى هنا إلا البدء بالعدوان، بدليل قوله؛ {لسلطهم عليكم} .

-وفي الحديث عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) [181] .

ففي الحديث الشريف جاء القتال مرة بمعنى البدء بالعدوان في قول الرجل: (أرأيت إن قاتلني) ، وجاء مرة أخرى بمعنى رد العدوان، وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (قاتله) ، وهذا يبطل ما ادعاه المؤلف من أن التعبير بالقتال لا يكون إلا دلالة على دفع عدوان.

-وفي حديث مروان والمسور في صلح الحديبية؛ أن سهيل بن عمرو قال: (والله لوكنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ... ) [182] .

ولا يصح أن يكون معنى؛"قاتلناك"هنا؛ صددنا عدوانك علينا.

-وجاء أيضًا في حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، أنهما قالا: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا ... الحديث) [183] .

فقولهما؛"لا يريد قتالًا"، معناه أنه لا يريد بدء أحد بقتال، ولو كان ما ذكره المؤلف صحيحًا، لكان معناه لا يريد رد اعتداء من يعتدي عليه، ولا شك أن ذلك باطل.

بل هو مخالف لما أشار إليه المؤلف نفسه من قوله صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث: (وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي) [184] .

حيث ذكر المؤلف أن كلامه صلى الله عليه وسلم: (نص قاطع في الدلالة على أنه - وهو يجنح إلى السلم - سيقابل عدوانهم القتالي بالمثل، إن هم أبوا إلا ذلك) [185] .

أقول: فإذا كان القتال المثبت في قوله: (لأقاتلنهم) ، هو قتال الدفاع، فما هو القتال المنفي في كونه صلى الله عليه وسلم خرج لا يريد قتالًا؟ لا شك أنه قتال البدء والهجوم وإلا لزم التناقض، وذلك يؤكد ما قلناه من أن القتال قد يأتي بمعنى الابتداء، وقد يأتي بمعنى رد الاعتداء.

ويسقط بذلك ما ادعاه المؤلف؛ من أن الفرق بين القتل والقتال هو أن القاتل من ابتدأ والمقاتِل من رد العدوان، هذا التفريق الذي يتيه به المؤلف زاعمًا أنه"كبير"و"هام" [186] ، مع أنه - كما أسلفنا - لا يستند إلى دليل صحيح.

ثم إنه لو صح ما ذكره المؤلف من أن القتل هو البدء، فإننا نحتج عليه بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ، فقد أمر الله بقتلهم والقتل عندك لا يكون إلا ابتداءً فماذا أنت قائل؟!

[179] سبق تخريجه.

[180] الجهاد في الإسلام ص: 58 - 59.

[181] أخرجه مسلم (140) .

[182] أخرجه البخاري (2731) (2732) وأحمد (4/ 328 - 331) .

[183] من رواية لحديث المسور ومروان عند أحمد (4/ 323) وابن اسحاق كما في سيرة ابن هشام (3/ 322) .

[184] قطعة من حديث مروان والمسور عند البخاري وقد سبق تخريجه.

[185] الجهاد في الإسلام ص: 60.

[186] انظر ص: 62 من الكتاب المذكور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت