يزعم المؤلف أن قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة: 5) لا يصلح دليلًا على أن علة القتال هي الكفر، فيقول في [ص: 55] من كتابه المذكور: (إن الآية لا تزيد على أمر المسلمين بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم كما قلنا، وفي هذه الحالة يرد احتمال كون السبب كفرًا وكونه حرابة، وكلا الوصفين كان المشركون متلبسين بهما لدى نزول الآية وإذا وقع الاحتمال سقط الاستدلال كما هو معروف) .
وأقول: ما أشد تهافت هذا القول؛ فإنه من المعلوم أن المشركين عند نزول هذه الآية في العام التاسع الهجري لم يكونوا كلهم متلبسين بصفة الحرابة، بل كان منهم من له مع الرسول صلى الله عليه وسلم عهد مطلق أو مؤقت [151] .
وقد جاء في حديث أبي هريرة: (كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسولُه، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي) [152] .
فهذا الحديث يدل دلالة قاطعة على أنه قد كان من المشركين من له عهد عند نزول البراءة.
والعجيب أن المؤلف نفسه قد قرر هذا الذي قلناه في كتابه"فقه السيرة"، حيث يقول: (ثم اعلم أن المشركين كانوا إذ ذاك صنفين، كما قال محمد بن إسحاق وغيره: أحدهما؛ كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى ما دون أربعة أشهر من الزمن، فأمهل هذا الصنف إلى تمام المدة، وثانيهما؛ كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد مفتوح أي بغير أجل، فاقتصر به القرآن في سورة براءة على أربعة أشهر، ثم هو بعد ذلك الحرب بينهم وبين المسلمين يُقتل أحدهم حيث أُدرك إلا أن يسلم ويتوب ... ) [153] .
أقول: سبحان الله ما الذي حَمل المصنف على أن يدعي هنا خلاف ما قرره هناك؟! اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور.
ثم إنه بفرض أن المشركين كانوا حين نزول هذه الآية كلهم محاربين، فإنه لا وجه أيضًا لما ذكره المؤلف من أنه يحتمل أن يكون السبب الباعث على قتالهم الحرابة؛ وذلك أن الآية الكريمة قد حددت الوصف الذي لأجله يقاتلون وهو الشرك، ونحن نعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقوله تعالى: {المشركين} عام لأنه جمع معرف بالألف واللام فهو عام في كل مشرك - كما قال القرطبي في تفسيره ج8/ص72].
ومما يؤيد ذلك أن الأمر بقتال الكفار جاء بصيغة العموم أيضًا في غير هذه الآية، كما في قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... } (التوبة: 29) ، فقوله: {الذين لا يؤمنون} يفيد العموم لأن الأسماء الموصولة من صيغ العموم كما هو معلوم، ومثله حديث بريدة: (قاتلوا من كفر بالله) [154] ، فمَن هنا اسم موصول فهو يفيد العموم أيضًا.
وإنما يكون لكلام المؤلف شيء من الوجاهة لو قالت الآية مثلًا:"فاقتلوا بني فلان"؛ لأنه حينئذ يرد التساؤل عن الباعث على قتلهم أهو كفرهم؟ أم حرابتهم؟ أم غير ذلك من الأوصاف التي كانت قائمة بهم ساعة هذا الأمر؟ لكن الحكيم الخبير لم يشأ أن يتركنا في حيرة الاحتمالات، بل حدد لنا تحديدًا قاطعًا الوصف الذي لأجله يقاتلون، وهو كونهم مشركين.
وقد جاء في حديث أسامة: ( ... ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذًا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) [155] .
وهذا الحديث يؤكد ما قلناه من أن علة قتال الكفار هي كفرهم؛ وذلك أن هذا الرجل ساعة أن قتله أسامة كان قد انتفى في حقه المعنيان - الكفر والحرابة - لأنه حينما قال:"لا إله إلا الله"صار مسلمًا، وأيضًا فهو قد ترك الحرابة، لأنه لا يمكن أن يقول لا إله إلا الله وهو لا يزال يقاتل، ومع انتفاء صفتي الكفر والحرابة فيه، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أسامة إلا قتله بعد انتهاء صفة الكفر فيه، فقال له: (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟) ، ولم ينكر عليه أنه قتله بعد ما انتهت حرابته، فدل ذلك على أن المعتبر في علة القتال هو الكفر لا الحرابة، والله أعلم.
ثم إن كون العلة هي الكفر، لما كان مستقرًا عند أهل العلم، فقد فسر به الإمام الخطابي عدم لزوم الدية لأسامة رضي الله عنه، فقال: (وفيه أنه لم يُلزمه - مع إنكاره عليه - الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه أن أصل دماء الكفار الإباحة، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذًا لا مصدقًا به، فقتله على أنه كافر مباح الدم، فلم تلزمه الدية، إذ كان في الأصل مأمورًا بقتاله، والخطأ عن المجتهد موضوع) [156] .
ثم يستدل المؤلف بعد ذلك؛ بأن السياق الذي وردت فيه آية السيف يشهد بأن علة الكفر هي الحرابة، فيذكر الآيات الثلاث التالية لآية السيف، ويزعم أنها تدل على ما ذهب إليه.
أ) فيستدل المؤلف بقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} (التوبة: 6) .
ويقول في ذلك: (أرأيت لو كان الكفر هو السبب الحامل على قتلهم أفيسوغ أن نعاملهم بهذه الرعاية والحماية وهم مشركون كافرون؟ إن تلبسهم بالكفر - لو صح ما فهمه الشافعية ومن معهم - وثيقة إجرام تلاحقهم ولا تنفك عنهم، وإن جاز إمهالهم حتى يسمعوا كلام الله، بأمل هدايتهم، فليس ثمة أي مبرر لاصطحابهم مكرمين تحت درع من الحماية لهم ليعودوا من حيث جاؤوا كما كانوا مشركين وجاحدين، إذن فلماذا هذه الرعاية والحماية لهم بهذا الأمر الإلهي المبين؟ السبب في ذلك؛ اختفاء الحرابة منهم وجنوحهم - هم فيما بيننا - إلى السلم والمسالمة) [157] .
وأقول: ليس في الآية إلا إجارة من جاءنا من المشركين طالبًا الأمان، وهذا استثناء من الأصل العام القاضي بقتلهم وقتالهم.
قال ابن إسحاق حول هذه الآية: ( ... {وإن أحد من المشركين} ، أي من هؤلاء الذين أمرتك بقتلهم ... ) [158] .
وقال القرطبي: (قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين} ؛ أي من الذين أمرتك بقتالهم، {استجارك} ؛ أي سأل جوارك) [159] .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( ... {وإن أحد من المشركين} ؛ الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، {استجارك} ؛ أي استأمنك فأجبه إلى طلبته، {حتى يسمع كلام الله} ؛ أي القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله، {ثم أبلغه مأمنه} ؛ أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه) [160] .
ومن ذلك نعلم؛ أن هؤلاء ما هم إلا طائفة من المشركين الذين أمرنا بقتالهم، لكن الشارع استثناهم من حكم القتل لمصلحة شرعية، أشارت إليها الآية الكريمة في قوله تعالى: {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} .
قال ابن كثير: (أي إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده ... ومن هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا، أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش ... يترددون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك من أكبر أسباب هداية أكثرهم) [161] .
فمثل هذه المصلحة الشرعية؛ هي التي قصدها الشارع حين استثنى هؤلاء المستأمنين من الأصل العام القاضي بقتال الكفار، لا ما ظنه المؤلف من أن الحامل على ترك قتلهم هو انتفاء حرابتهم.
ومما يؤكد ما قلناه؛ أن هذا المستأمن الذي لا يجوز قتله لو فرض أن مسلمًا قتله؛ فإنه لا يقتص منه، وذلك لحديث: (لا يقتل مسلم بكافر) [162] ، وعلى هذا اتفق الأئمة الأربعة [163] ، وكذلك الذمي لو قتله مسلم؛ فإنه لا يقتل به على قول الجمهور، وهو الصحيح لعموم الحديث السابق، وما ذلك إلا لأن دم الكافر مباح بسبب كفره، فإذا عوهد؛ امتنع قتله لأجل الوفاء بالعهد فقط، أما العلة التي من أجلها أبيح دمه فهي باقية وهي الكفر.
قال ابن السمعاني فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: ( ... والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة، فمن الوفاء بالعهد؛ أن لا يقتل المسلم ذميًا، فإن اتفق القتل لم يتجه القول بالقود، لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة، ومع قيام الشبهة لا يتجه القود) [164] .
وليس هذا الاستثناء بغريب في عرف الشرع، فكم من حكم عام استثنى منه بعض أفراده ممن توجد فيهم علة الحكم لمصلحة شرعية، والباحث في القرآن والسنة يجد الكثير من أمثلة ذلك.
-فمن ذلك قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} (البقرة: 258) ، فعلة تحريم نكاح المشركات هي شركهن، لأن الآية رتبت الحكم وهو النهي عن النكاح على وصف الشرك فيهن، وجعلت غاية هذا النهي هو إيمانهن، أي فلا يجوز نكاحهن ما دامت صفة الشرك فيهن، فدل ذلك على أن وجود الشرك فيهن هو المانع من حل نكاحهن، ومع هذا فقد استثني الله من ذلك نساء أهل الكتاب - كذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم من السلف [165] في قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} (المائدة: 5) -
أقول: فصفة الشرك موجودة أيضًا في نساء أهل الكتاب، ولم يمنع ذلك من إعطائهن حكمًا خاصًا في المسألة، للمصلحة الراجحة في ذلك.
-ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن النواحة لما قدم عليه رسولًا من مسيلمة: (لولا أنك رسول لضربت عنقك) [166] .
فابن النواحة كان ممن يجب قتله لردته، وقد كان وصف الردة قائمًا به حينما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله، فدل ذلك على تهافت ما قاله المؤلف؛ وذلك أن علة قتل المرتد هي ردته، وقد كانت هذه العلة موجودة في ابن النواحة، ومع ذلك لم يقتل لكونه رسولًا، ولذلك لما زالت عنه صفة أنه رسول؛ قتله ابن مسعود رضي الله عنه وقت إمارته على الكوفة، لما علم أنه لا يزال يؤمن بمسيلمة، وقال له: (فأنت اليوم لست برسول) [167] ، أي قد زال المانع من قتلك مع استمرار الصفة الموجبة لقتلك، وهي الردة، فلما زال المانع رجع الأمر كما كان.
ثم إن هذا الرسول الذي لا يجوز قتله قد يكون آتيًا يحمل تهديدًا - أو"إنذارًا"بلغة العصر - فهو في هذه الحالة لا يخرج عن وصف الحرابة، خصوصًا على تفسير المؤلف للحرابة؛ حيث جعلها تشمل ظهور قصد العدوان، فلا شك أن هذا الذي جاء يحمل رسالة قومه مهددًا قد ظهر منه قصد العدوان، ومع ذلك فهو آمن حتى يرجع إلى قومه، وكذلك من جاء يطلب الأمان فإنه يعطاه ويرفع عنه السيف مدة أمانه، فإذا انتهت مدة أمانه عاد حاله كما كان من قبل.
قال ابن القيم: (فإذا وصل مأمنه عاد حربيًا كما كان) [168] .
وليس في قوله تعالى: {ثم أبلغه مأمنه} ؛ تكريم لهذا الكافر كما ظن المؤلف، بل هو من تمام الأمان، فإن الإمام إذا أمَّن هذا الكافر ولم يبعث معه من يُعرِّف المسلمين بأن هذا الرجل قد أمنه الإمام، فربما تعرض له بعضهم، فلذا يبعث معه من يكون معه معرِّفًا المسلمين بحاله إلى أن يخرج من ديار المسلمين، والله أعلم.
ب) ثم يستدل المؤلف بقوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} (التوبة: 7) ، ويقول: (أرأيت لو كان الكفر بحد ذاته موجبًا للقتال أفتسوغ معاهدة من أمرنا الله بقتالهم؟ وإذا فرضنا أن المعاهدة تمت قبل نزول ما يسميه هؤلاء بآية السيف أفليس من البدهي أن تكون آية السيف هذه إنهاء لهذه المعاهدة؟) [169] .
أقول: لسنا نحن الذين نقرر ما يسوغ في شرع الله وما لا يسوغ، فإذا أمرنا الله بقتال المشركين وجعل صفة الشرك هي العلة الباعثة على قتالهم، ثم شرع لنا مهادنتهم عند الحاجة؛ فهذا هو الذي يسوغ لأن الشرع جاء به، ولو جاء الشرع بخلاف ذلك لكان هو الذي يسوغ.
وقوله: (وإذا فرضنا أن المعاهدة ... إلخ) .
أقول: نعم كانت هذه المعاهدة قبل نزول ما سماه أهل العلم قاطبة بـ"آية السيف"، لأن المعاهدة المقصودة في هذه الآية هي صلح الحديبية كما بيناه من قبل [170] ، لكن لا أدري من أين جاءت بداهة أن آية السيف يجب أن تكون منهية لهذه المعاهدة؟ فإذا كان الذي أمرنا بقتال المشركين هو سبحانه الذي أمرنا أن نستمر في مهادنة فريق منهم وأن نستقيم لهم إذا استقاموا لنا إلى نهاية عهدهم، فهذا هو البدهي، وليس ثمة تناقض بين الأمرين؛ لأن هؤلاء المعاهدين مصيرهم إلى القتل والقتال إن لم يسلموا، وذلك عند نهاية مدتهم، وإنما يكون هناك تناقض لو كانت المعاهدة مع هؤلاء صلحًا دائمًا مؤبدًا، فهنا يقال كيف نؤمر بقتال المشركين لشركهم، وفي نفس الوقت نؤمر بالاستقامة لهم على هذا الصلح المؤبد؟ ولذلك فقد وقع الإجماع على عدم جواز الصلح المؤبد [171] .
ثم يقول المؤلف: (قالوا إن هذه الآية نسخت الآيات التي رخص الله فيها ببر المشركين الذين لم يقاتلونا في الدين ولم يقابلونا بأي عدوان، إذن فمقتضى ذلك أن يسري النسخ إلى المعاهدات التي بين المسلمين والمشركين في ظل ذلك الحكم المنسوخ، ولكن ها هو خطاب الله عز وجل يأمرنا صراحة بأن نستقيم في برنا بهم ما استقاموا على برهم لنا ... ) [172] .
وأقول: قد بينا من قبل أن الصواب في قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} أنه ليس بمنسوخ، وأنه لا يتعارض مع كون علة القتال هي الكفر لا الحرابة، ومع ذلك فإن الذين قالوا بنسخ هذه الآية لم يقولوا بنسخ كل بر وإقساط للكافرين، إنما قصدوا أن المنع من قتالهم إذا كفوا عنا قد نسخ، وصار الواجب قتالهم سواء بدؤونا بعدوان أم لم يبدؤونا.
وقد جاءت آية السيف آمرة بقتل المشركين، ثم إنها قد حددت - هي والآيات الأخرى من سورة التوبة - كيفية تنفيذ هذا الأمر، فأمهلت من ليس لهم عهد أو لهم عهد مطلق أربعة أشهر، وبعدها السيف؛ إن لم يسلموا، وكذلك أمهلت من لهم عهد مؤقت إلى نهاية مدتهم؛ إذا استقاموا عليه، ثم بعد ذلك السيف أيضًا؛ إن لم يسلموا، ومعنى ذلك أن الإمهال لم يكن فقط لأصحاب العهود، فحتى من لم يكن له عهد لم يؤمر بقتله على الفور، بل أمهل أربعة أشهر أيضًا، لأن الآية أمرت بقتل المشركين بعد انسلاخ الأشهر الحرم - وهي أشهر التسيير الأربعة كما رجح ابن القيم [173] وغيره -
ومعنى ذلك؛ أن مسألة إمهال أصحاب العهود المؤقتة إلى نهاية مدتهم، ما هي إلا جزء من بيان كيفية تنفيذ الأمر بقتال المشركين الذي جاءت به آية السيف - أي كيفية"سريان الأمر الجديد"بلغة العصر - وعليه فليس هناك تعارض بين كون الأمر بقتال المشركين لشركهم، وبين إمهال بعضهم أربعة أشهر، وإمهال البعض الآخر إلى نهاية مدته.
ولا شك أن في ذلك الإمهال؛ من الحكم العظيمة ما لا يعلمه إلا الله، ومن تلك الحكم - والله أعلم - أن هؤلاء المشركين قد وجدوا أمامهم فرصة للتفكير في مغبة بقائهم على كفرهم، وأن ذلك سيعرضهم للقتل والقتال، في حين سينجون إن هم أسلموا، فكان من نتيجة ذلك أن أسلم هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم - كما ذكر ابن القيم رحمه الله [174] - بينما لو نفذ الأمر بالقتال مباشرة دون إمهال؛ فإن ذلك قد يكون حاملًا للمشركين على المكابرة والعناد والبقاء على كفرهم.
بل إننا نقول: إن الأمر بإتمام العهد إلى مدته هو في حد ذاته دليل على أن علة القتال هي الكفر وليست الحرابة، وذلك أن هؤلاء المعاهدين هم بالبداهة ليسوا محاربين واستمرارهم على عهدهم يدل على ذلك، ومع ذلك فقد جعل القرآن لمهادنتهم نهاية - وهي مدة العهد - ثم بعدها السيف إن لم يسلموا، فدل ذلك على أن موجب القتال هو الكفر، ولو كان موجبه الحرابة لجاز تمديد مدة الصلح بعد انتهائها، لأن علة القتال - على رأي المؤلف - ليست متوفرة في هؤلاء، فقد استمروا على عهدهم إلى نهايته، ومع ذلك جُعلت نهاية عهدهم هي نهاية مهلتهم التي بعدها يُقاتلون ويُقتلون حيث وجدوا، كما كانت مهلة الآخرين أربعة أشهر بعدها يقاتلون ويقتلون.
والعجيب أن الدكتور البوطي نفسه قد قرر هذا الذي قلناه، وذلك في كتابه"فقه السيرة" [175] ؛ حيث قرر أن القرآن أمهل من له عهد مؤقت إلى نهاية مدته، ومن له عهد مطلق إلى أربعة أشهر، ثم قال: (ثم هو بعد ذلك الحرب بينهم وبين المسلمين يقتل أحدهم حيث أدرك إلا أن يسلم ويتوب) .
فقوله: (إلا أن يسلم، ويتوب) ؛ يبين أن العلة هي كفره لا حرابته، لأنه جعل رفع السيف عنه مشروطًا بإسلامه وتوبته.
ج) ثم يستدل المؤلف بقوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلًا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون} (التوبة: 8) ؛ على أن علة القتال هي الحرابة والغدر، لا الكفر، حيث أعلن البيان الإلهي؛ أن العلة التي من أجلها يُستنكر أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله هي الغدر وإخفار الذمم.
ويقول: (أي كيف يكون لهم عهد مقبول وهذه هي حالهم معكم، ما إن يشعروا بتفوق عليكم حتى يهدروا كل العهود والذمم التي أخذت عليهم ... لو كان السبب في استنكار قيام عهد بين المسلمين والمشركين هو الكفر بحد ذاته، إذن لما ورد شيء من هذا الكلام قط، إذ سيان - بعد الكفر الذي هو علة القتال والقطيعة - أن يكونوا أمناء على العهد أو مضيعين له وخائنين فيه) [176] .
وأقول: هذه الآية متعلقة بالآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} (التوبة: 7) ، فالآية تستنكر أن يكون للمشركين عهد أي أمان عند الله ورسوله، وهم باقون على شركهم وكفرهم بالله ورسوله، ثم استثنت الآية طائفة من هؤلاء المشركين وهم الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، وهم أصحاب صلح الحديبية - أي من بقي منهم على العهد - فأمرت بالبقاء على العهد معهم إلى مدته ما استقاموا هم عليه ثم جاءت الآية الثانية لتتحدث عن الباقين من المشركين وأنهم أضافوا إلى شركهم أنهم إن يظهروا على المسلمين فإنهم لا يرقبون فيه إلًا ولا ذمة ... إلخ.
فالآية الأولى؛ تبين أن السبب في استنكار قيام عهد مع المشركين هو كفرهم، والآية الثانية؛ أضافت إلى ذلك كونهم إن ظهروا على المسلمين لم يوفوا بعهدهم، وذلك كله إنما هو حث وتحريض للمؤمنين على معاداة هؤلاء والتبري منهم.
قال ابن كثير في تفسير الآية الثانية: (يقول تعالى محرضًا للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم ومبينًا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأُدِيلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلًا ولا ذمة) [177] .
فليس في الآيتين إلا التحريض على معاداة هؤلاء المشركين الذين من صفاتهم نقض العهد وأنهم لا يرقبون في مؤمن إِلًا ولا ذمة.
وكذلك الآيتان اللتان بعدهما - وهما قوله تعالى: {اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمّة وأولئك هم المعتدون} (التوبة: 9، 10) - فهذا أيضًا ذم لهؤلاء المشركين وتحريض على قتالهم.
قال ابن كثير: (يقول الله تعالى ذمًا للمشركين وحثًا للمؤمنين على قتالهم؛ {اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا} ، يعني أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة، {فصدوا عن سبيل الله} ؛ أي منعوا المؤمنين من اتباع الحق ... ) [178] إلخ ما قال رحمه الله).
والمقصود بيان أن هذه الآيات؛ إنما هي تحريض للمؤمنين على معاداة الكافرين وقتالهم، بذكر بعض ما فيهم من المساويء، وليس فيها أن تلك المساويء هي علة قتالهم.
ومما يدل على ذلك ما أسلفناه؛ من أن أصحاب العهد المؤقت الذين استقاموا على العهد أُمهلوا إلى نهاية عهدهم، ثم بعد ذلك يقاتلون، وكذلك أصحاب العهد المطلق الذين استقاموا عليه أُمهلوا أربعة أشهر، ثم بعدها يقاتلون أيضًا، فدل ذلك على أن علة قتالهم هي كفرهم، لأن هؤلاء قد استقاموا على عهدهم، ولم ينقضوه، ولم يبد منهم ما ذكر من صفات الحرابة ونقض العهد، ومع ذلك فإنهم بانتهاء مدتهم يحاربون حتى ينتهوا عن شركهم.
[151] انظر سيرة ابن هشام (4/ 191) وزاد المعاد (2/ 81) .
[152] أخرجه أحمد (2/ 299) ، والنسائي (5/ 234) ، والدارمي (1/ 332 - 333) ، (2/ 237) والحاكم (2/ 331) وصححه، وكذا صححه الألباني في إرواء الغليل (4/ 301) .
[153] فقه السيرة ص: 453.
[154] سبق تخريجه.
[155] أخرجه البخاري (4269) (6872) ومسلم (96) وأبو داود (2643) .
[156] معالم السنن بهامش سنن أبي داود (3/ 102 - 103) .
[157] الجهاد في الإسلام ص: 99.
[158] سيرة ابن هشام (4/ 189) .
[159] الجامع لأحكام القرآن (8/ 75) .
[160] تفسير القرآن العظيم (2/ 338) .
[161] المصدر السابق (2/ 338) .
[162] قطعة من حديث أخرجه البخاري (111) والترمذي (1412) والنسائي (8/ 23) وابن ماجه (2658) من حديث علي مرفوعًا.
[163] انظر فتح الباري (12/ 261) .
[164] انظر فتح الباري (12/ 262) .
[165] انظر تفسير ابن كثير (1/ 258) .
[166] أخرجه أبو داود (2762) وأحمد (1/ 384) ، (1/ 391) والحاكم (3/ 53) وصححه، وكذا صححه أحمد شاكر في شرحه على المسند (5/ 264) .
[167] من تتمة الحديث السابق.
[168] أحكام أهل الذمة (2/ 467) .
[169] الجهاد في الإسلام ص: 100.
[170] انظر ص: 105 وما بعدها.
[171] انظر أحكام أهل الذمة (2/ 477) .
[172] الجهاد في الإسلام ص: 100.
[173] انظر زاد المعاد (2/ 81) .
[174] المصدر السابق (2/ 82) .
[175] انظر فقه السيرة ص: 435.
[176] الجهاد في الإسلام ص: 100 - 101.
[177] تفسير القرآن العظيم (2/ 339) .
[178] المصدر السابق (2/ 339) .