الصفحة 6 من 23

من الأمور المسلمات أن الله تعالى ما شرع لعباده شرعًا إلا لحكمة بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فإنه تعالى كما أنه لم يخلق خلقه عبثًا، فإنه لم يشرع لهم شيئًا عبثًا، وهو سبحانه الحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا بد من حكمة وراء عدم مشروعية القتال إلا في العصر المدني، ولما كانت النصوص الشرعية لم تأت ببيان تلك الحكمة على وجه القطع واليقين؛ فإنه يسوغ لأهل العلم الاجتهاد في بيان تلك الحكمة، بما لا يخالف نصوص الكتاب والسنة.

فمن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: ( ... فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر مأمورًا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده ... وكان مأمورًا بالكف عن قتالهم لعجزه، وعجز المسلمين عن ذلك ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أُذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال، ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ملوك العرب ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام؛ أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت وأمره بنبذ العهود المطلقة ... ) [60] .

وقال ابن القيم: (فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده الله بنصره وبعباده المؤمنين وألف بين قلوبهم ... رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة وصاحوا بهم من كل جانب، والله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح فأذن لهم حينئذ في القتال ... ) [61] .

وقال ابن كثير: (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار ... ) [62] .

وقال أيضًا: (وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمر المسلمون - وهم أقل من العشر - بقتال الباقين لشق عليهم ... فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلًا يلجؤون إليه؛ شرع الله جهاد الأعداء) [63] .

وتكاد تجتمع كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذيه ابن القيم وابن كثير؛ على أن حكمة هذا الأمر ترجع إلى الضعف والقوة، وأن الجهاد لم يشرع في مكة نظرًا لما كان عليه المسلمون من الضعف وقلة العدد، فلما صار لهم قوة ومنعة شرع القتال والجهاد.

وبهذا قال الإمام الشافعي في كتاب أحكام القرآن الذي جمعه البيهقي من أقواله، فقد جاء فيه: (قال الشافعي رحمه الله: ولما مضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من هجرته، أنعم الله فيها على جماعات باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله عز وجل قوة بالعدد لم يكن قبلها، ففرض الله عز وجل عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضًا، فقال تبارك وتعالى: {كتب عليكم القتال ... الآية} ) [64] .

وهذا المعنى - والله أعلم - في غاية القوة، فإنه يتسق مع المعروف من نصوص الشرع الحنيف القاضية بعدم التكليف بما لا يطاق، كما في قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ... } (البقرة: 286) ، وإن كان هذا لا يمنع من وجود حكم أخرى لا يعلمها إلا الله، وقد يفتح بها على بعض عباده المؤمنين.

وقد وجدت للأستاذ سيد قطب رحمه الله كلامًا في هذه المسألة أحببت أن أشير إليه، لما فيه من حسن أدب مع الله، حيث يقول رحمه الله: (أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة، ونفرض على أوامره أسبابًا وعللًا قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية، أو قد تكون ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة، وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف أو أي حكم في شريعة الله لم يبين الله سببه محددًا جازمًا حاسمًا، فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف، أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف مما يدركه عقله ويحسن فيه فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال ولا يجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله - بأن ما رآه هو الحكمة التي أرادها الله نصًا، وليس وراءها شيء وليس من دونها شيء فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله ... وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة، نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب على أنه مجرد احتمال وندع ما وراءه لله لا نفرض على أمره أسبابًا وعللًا لا يعلمها إلا هو ... إنها أسباب اجتهادية تخطيء وتصيب وتنقص وتزيد ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان) [65] .

وبعد هذه المقدمة الطيبة التي تنم كما أسلفنا عن أدب جم مع الله تعالى، كما تنم أيضًا عن فهم جيد للقضية المطروحة - وهي قضية حكمة التشريع - يشرع سيد في بيان تصوره لتلك الحكم التي يحددها في سبع نقاط، نلخصها فيما يلي:

-ربما كان ذلك؛ لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، ومن أهداف تلك التربية تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به ليخلص من شخصه ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره وتربيته كذلك على ضبط أعصابه فلا يندفع لأول مؤثر ولا يهتاج لأول مهيج.

-وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد.

-وربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة تعذب المؤمنين بل كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه ويؤدبونه.

-وربما كان ذلك لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الله المخلصين.

-وربما كان ذلك لأن النخوة العربية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع، وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم، فابن الدغنة - مثلًا - لم يرض أن يترك أبا بكر يهاجر ويخرج من مكة ورأى في ذلك عارًا على العرب، وعرض عليه جواره وحمايته.

-وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة ويبقى الشرك.

في الوقت ذاته لم تكن هناك ضرورة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها؛ لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا وقتها ومحققًا، وهو وجود الدعوة في شخص الداعية صلى الله عليه وسلم، وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع [66] .

هذا ملخص ما ذكره سيد رحمه الله، نتركه بلا تعليق، وربما نعود إليه بعد قليل.

ولننظر الآن في رأي الدكتور البوطي في هذه القضية من خلال الكتاب المشار إليه.

إن الدكتور البوطي يرى أن المسلمين في مكة: (كانوا أفرادًا قلة متناثرين وسط كثرة من الناس التائهين والضالين المشركين ... إذن فالمسلمون في مكة كانوا فقراء إلى الأرض التي تكون دارًا لهم، وإلى النظام الذي ينسج صلة ما بينهم ويجعل منهم مجتمعًا تستقر أركانه فوق الأرض، ومن ثم لم يكن لهم وراء العقيدة التي يدعون إليها وينافحون بالفكر عنها أي حق ثابت ينهضون بحراسته ويقاتلون من دونه إن اقتضى الأمر، ومن ثم لم يكن للجهاد القتالي أي مبرر آنذاك ... ) [67] .

ويذكر المؤلف أن القتال شرع في المدينة: ( ... لأن الله أكرم المسلمين لدي هجرتهم إلى المدينة بالأرض التي أورثهم إياها ومكنهم منها والجماعة الإسلامية التي تكاثرت فوق تلك الأرض والنظام الذي جمع شملهم ووحد سلطانهم ... إذن فالجهاد القتالي الذي شرع لدي استقرار المسلمين في المدينة ... إنما شرع دفاعًا عن هذه الحقوق الثلاثة الأرض التي أورثهم الله إياها، والجماعة المسلمة التي ترسخ وجودها فوق تلك الأرض، والنظام السلطوي الذي أعطى تلك الجماعة القوة والفاعلية. وقد علمت أن المسلمين لم يكونوا يملكون شيئًا من ذلك من قبل) [68] .

وينكر المصنف على من يرون أن علة عدم مشروعية القتال بمكة هي ضعف المسلمين وقلة عددهم، ويقول: (ومما يؤكد بطلان هذه العلة لعدم مشروعية القتال آنذاك أن الأمر لو كان كذلك، أي لو كانت العلة عجز النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاومة وعن رد الكيد بمثله؛ إذن لفرضت الطبيعة البشرية نفسها على حاله وتصرفه ولتجلى ذلك - على أقل تقدير - في حقد ينفثه أو توعد يشفي به غليله ولدعا عليهم ذات مرة بالسحق والمحق، سيما وأن دعاء الرسل والأنبياء أمضى من أسلحة الثائرين، ولكنا قد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يستقبل عدوان المشركين إلا بمزيد من الشفقة والرحمة، وما حرك لسانه بالدعاء عليهم حتى في أحلك الساعات وأقسى الظروف التي مرت به في تلك السنوات الطوال التي أمضاها في مكة) [69] .

إذن فالكاتب يرى أن السبب في مشروعية الجهاد في العصر المدني دون العصر المكي؛ أنه في العصر المدني فقط اكتملت للمسلمين مقومات الدولة بالمعنى السياسي الحديث، أي الأرض والشعب والسلطة الحاكمة، وأنه لا معول على قضية الضعف والقوة التي قررها العلماء من قبل.

وقد كان يمكن تجاوز هذا الرأي وعدم الوقوف عنده؛ لو أن الكاتب اقتصر على أن رأيه ذاك إنما هو فقط في بيان حكمة التشريع، أي لو اكتفى بالقول بأن ذلك الرأي هو جواب عن السؤال؛ لماذا شرع الجهاد في العصر المدني دون المكي؟ لكنه لم يكتف بذلك بل جعل ما ذكره علة للجهاد القتالي ذاته.

وذلك حيث يقول تحت عنوان"الجهاد إنما شرع دفاعًا عن شيء موجود": (ونعني به الجهاد القتالي، وذلك لأن هذا النوع من الجهاد لم يشرعه الله عز وجل إلا بعد أن أورث الله عباده المسلمين أرضًا ودولة وبعد أن مكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم متمثلًا في شرعة سائدة ونظام سلطوي ... وهذا يعني أن المسلمين أصبحوا بذلك مُلاكًا لثروة تفوق في الأهمية ثروة الكنوز والأموال، ولا شك أن هذه الثروة ستثير طمع كثير من الأعداء بها أو تخوفهم منها، ومن ثم فإن من المتوقع أن يتحول الطمع إلى هجوم ابتغاء اقتناص هذه الثروة أو القضاء عليها، وهذا ما قد جرى في صدر الإسلام بعد استقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة المنورة فقد تألبت قوى الشر عليه وعلى من معه من المسلمين ... وعندئذٍ ولهذا السبب شرع الله لهم الجهاد القتالي ليدافعوا به عن الحق الذي متعهم الله به وملكهم إياه، ونظرًا إلى أن هذا الحق لم يكن موجودًا بحوزتهم من قبل فإن هذا النوع من الجهاد أيضًا لم يكن مشروعًا آنذاك، فهذا معنى قولنا: إنما شرع الله الجهاد دفاعًا عن شيء موجود ... ولكن ما الذي يجب أن نبنيه على هذه الحقيقة الواضحة؟ إن الذي يجب أن نبنيه عليها هو أن الجهاد القتالي لم يشرع يومًا لإيجاد هذا الحق، أو هذه الثروة من العدم فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في سبيل الحصول على دار إسلام ولم يقاتل في سبيل بناء دولة إسلامية أو إيجاد حشد من المسلمين تتألف منهم تلك الدولة، ويتحقق بهم نظامها، وإنما قاتل بعد أن منحه الله كل ذلك حراسة له ودفاعًا عنه) [70] .

ونكتفي بهذا القدر من كلام المؤلف لنكشف بحول الله عن جملة من الأخطاء التي وقع فيها، فأقول وبالله التوفيق:

أولًا:

وقع الكاتب في خلط شديد بين حكمة مشروعية القتال في العصر المدني فقط وبين العلة في تشريع الجهاد نفسه فاعتبرهما شيئًا واحدًا، بينما هما في الحقيقة أمران متغايران.

ولست أقصد هنا ما يقصده الأصوليون؛ حين يتحدثون في باب القياس عن التعليل بالحكمة وهل يجوز أم لا؟ وذلك أنهم يفرقون بين الحكمة والعلة فيعتبرون الحكمة هي المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريعه الحكم ويُعَرِّفون العلة بأنها الوصف الظاهر المنضبط الذي بني عليه الحكم وربط به وجودًا وعدمًا؛ لأنه مظنة تحقيق المصلحة المقصودة من التشريع [71] ، ويضربون لذلك مثالًا بأن الله؟ شرع القصر والفطر للمسافر، والحكمة من ذلك دفع المشقة ولكن هذه الحكمة أمر خفي غير منضبط، ولذا فقد أقام الشارع مقامها العلة وهي السفر لأنه أمر ظاهر منضبط فجعل الحكم مناطًا بنفس السفر لا بالمشقة.

قال الآمدي: (ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر - وإن ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ وإن كان في غاية الرفاهية والدعة - لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب) [72] .

وقد اختلف الناس في التعليل بالحكمة.

قال الآمدي: (ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط، وجوزه الأقلون، ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة، فجوز التعليل بالأولى دون الثانية، وهذا هو المختار ... ) [73] .

أقول: إنني أبادر فأوضح أن قضيتنا هنا ليست قضية جواز التعليل بالحكمة، حتى لا يُعترض علينا بأن الكاتب ربما كان من هؤلاء الأقلين الذين يرون جواز التعليل بالحكمة؛ لأن الحديث هنا ليس عن الحكمة من مشروعية الجهاد في الإسلام، ولكنه عن الحكمة من تشريع الجهاد على مراحل، وهذا كما ترى أمر آخر ينبغي أن لا تربط به أحكام الجهاد ذاتها.

وإني أضرب لذلك مثالًا يوضح ما أقول؛ فحين نقول - مثلًا - إن الله حرم الخمر وجعل علة التحريم الإسكار، ثم يأتي البعض فيجتهد في الحكمة من ذلك التحريم، فيقول؛ إن حكمة التحريم هي دفع المفاسد المترتبة على شرب الخمر، فهذا هو محل الحديث عن العلة والحكمة الذي يقصده الأصوليون.

أما حينما نقرأ قول عائشة رضي الله عنها: ( ... إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا ... ) [74] ، فإننا نرى عائشة رضي الله عنها لا تتحدث عن علة تحريم الخمر والزنا، ولا حتى عن الحكمة من هذا التحريم، وإنما تتحدث عن الحكمة من تأخير التحريم، ولذا فإنه لا يجوز لأحد أن يقول إنه لو أسلم رجل الآن؛ فإنه يجوز له الزنا وشرب الخمر ويُكتفى بتعريفه آيات الجنة والنار حتى يقوى إسلامه، فيحرم عليه حينئذٍ الزنا والخمر ... فهذا الكلام ما أظن عاقلًا يقوله.

وكذلك نقول هنا: إنه قد يجتهد البعض في الحكمة من عدم مشروعية الجهاد في مكة، لكن ليس له أن يعتبر أن ذلك هو علة الحكم نفسه، فيقول بما أن الحكمة من ذلك أن دولة الإسلام بأركانها الثلاثة لم تكن قد قامت في مكة، فإنه لا يقاتل إلا دفاعًا عن تلك الأركان.

أقول: ليس له ذلك لأنه لا يوجد نص شرعي على أن علة القتال هي تلك التي ذكرها، ونحن نعلم أن كثيرًا من الشرائع كالزكاة والصيام لم تشرع إلا في المدينة، فهل يصح أن يقال إن علة مشروعية الزكاة والصيام هي وجود الدولة؟! بمعنى أن المسلم لو كان يعيش في غير دار إسلام له أن يقول لا أزكي ولا أصوم؟ لا شك أن الجواب: لا.

فإن قال: إن قضية الجهاد تختلف عن الزكاة والصيام،. قلنا: وما الفرق أليس الكل تشريعًا من عند الله؟

وقد اقتضت حكمته تعالى؛ أن لا يشرع القتال ولا الزكاة ولا الصيام إلا في المدينة بعد قيام الدولة، لكن لا علاقة لوجود الدولة من عدمه بعلة التشريع.

والفيصل هو الدليل، فكما أننا لا نجد دليلًا شرعيًا يربط علة مشروعية الزكاة والصيام بموضوع الدولة بأركانها، فكذلك الأمر بالنسبة للجهاد.

والكاتب لم يذكر دليلًا على ما ذهب إليه، إلا استنباطه ذلك الأمر من كون القتال لم يشرع إلا بعد وجود الدولة بأركانها المعروفة، وهذا كما أسلفنا لا يكفي؛ فإن القتال يشاركه في ذلك الزكاة والصيام وغيرهما.

ثانيًا:

وإذا كان الكاتب ينكر على من يعتبرون أن الحكمة من وراء هذا التدرج في التشريع؛ هي أن المسلمين كانوا بمكة ضعفاء قليلي العدد، ويقول: (غير أن هذه العلة غير واضحة هنا قط لا على مستوى العلة المؤثرة التي ينبغي أن يكون منصوصًا عليها، ولا على مستوى العلة الملائمة التي تعتمد على انسجامها مع المقاصد الكلية ومع ظاهرة الطرد والعكس) [75] .

أقول: إذا كان الكاتب ينكر على أولئك ويطالبهم بالدليل، فإننا نرد الأمر عليه، ونقول له؛ إن ما ذكرته من علة في قضية الجهاد لا يصلح علة مؤثرة ولا علة ملائمة، فإننا لا نجد نصًا يقول لنا بأن العلة من فرضية الجهاد هي ما ذكرت، ولا نجد من المقاصد الكلية للشريعة ما يؤيد دعواك.

ثم إن هؤلاء الذين قالوا بأن الحكمة من وراء عدم تشريع القتال في مكة هي الضعف لم يجعلوا ذلك علة للقتال نفسه، يدور معها حكمه وجودًا وعدمًا؛ لأن العلة عندهم شيء آخر منضبط هو أن القتال إنما شرع لإعلاء كلمة الله وإزالة منكر الكفر، وأن علة قتال الكفار هي كفرهم، كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال: 39) .

فالآية ربطت القتال بوجود الفتنة وبكون الدين ليس كله لله.

قال شيخ الإسلام: (فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله) [76] .

ثالثًا:

يذكر الكاتب - في معرض إنكاره على من يعتبر أن الحكمة من عدم تشريع الجهاد في مكة أن المسلمين كانوا ضعفاء - أنه لو كان ذلك صحيحًا؛ (لفرضت الطبيعة البشرية نفسها على حاله وتصرفه ولتجلّى ذلك على أقل تقدير في حقد ينفثه أو توعد يشفي به غليله ولدعا عليهم ذات مرة ... إلخ كلامه) .

وأقول: لست أدري من أين أتى الكاتب بفكرة؛ أنه لو كانت الحكمة من عدم مشروعية الجهاد في مكة هي ضعف المسلمين للزم أن يصدر منه صلى الله عليه وسلم توعد للكافرين ودعاء عليهم؟

إن القول بأن السبب في عدم مشروعية القتال في مكة هو ضعف المسلمين، هو القول الأصح كما أسلفنا، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعُ عليهم ولم يتوعدهم - إن صح - لا يصلح دليلًا على عدم صحة هذا القول، فقد يكون الإنسان ضعيفًا غير قادر على قتال عدوه، ومع ذلك فليس من الضروري أن يصدر منه دعاء ولا توعد.

وبافتراض أن ذلك الدعاء والتوعد مما تقتضيه الطبيعة البشرية؛ فما المانع أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم خصوصية تدفعه إلى إخفاء الأمر في صدره فلا يصدر منه دعاء ولا توعد، فهو صلى الله عليه وسلم - وإن كان بشرًا من البشر إلا أنه بشر يوحى إليه - وكم من أمر خالفت فيه طبيعته صلى الله عليه وسلم طبيعة البشر؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي) [77] .

ومع ذلك فالذي نفاه الكاتب من الدعاء والتوعد؛ ثابت بالأحاديث الصحيحة الصريحة.

فأما الدعاء فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود: (إن قريشًا لما أبطؤوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام قال: اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصَّت كل شيء حتى أكلوا العظام ... ) [78] .

وأما التوعد فقد قال ابن إسحاق: ( ... فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر فذكروا رسول صلى الله عليه وسلم ... فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ... ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ... ) [79] .

قال البيهقي في الدلائل: (وفي هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أوعدهم بالذبح - وهو القتل في مثل تلك الحال - ثم صدَّق الله تعالى قوله بعد ذلك بزمان، فقطع دابرهم وكفى المسلمين شرهم ... ) [80] .

رابعًا:

يذكر الكاتب أن الجهاد القتالي لم يشرع إلا عندما توفرت للمسلمين هذه الحقوق الثلاثة، فماذا لو كان يوجد للمسلمين حقان فقط من هذه الحقوق؟

إن الجواب عند الكاتب؛ أنه يقاتل دفاعًا عن هذين الحقين أيضًا، وذلك حيث يقول تحت عنوان؛"فما الموجود اليوم مما يجب الجهاد في سبيله": (إن الموجود الأول هو دار الإسلام أو دور الإسلام، فقد تحولت الدار الواحدة إلى دور مستقلة متفرقة ... والموجود الثاني من ذلك الكيانات الإسلامية المتمثلة في دول ذات انتماء إلى الإسلام، بقطع النظر عن مدى التزامها بالشرائع والأحكام الإسلامية، ولا شك أن الجهاد مشروع وقائم عندما يكون دفاعًا عن أي من هذين الحقين الموجودين ... ) [81] .

والسؤال الذي نطرحه بعد هذا الكلام: ماذا لو كان الموجود حقًا واحدًا من هذه الثلاثة؟ هل يكون الدفاع عنه مشروعًا أم لا؟

إن الإجابة المنطقية بعد ما رأينا من إجابة السؤال السابق؛ هي أن الجهاد سيكون أيضًا مشروعًا وقائمًا كما في الحالة الأولى، وإلا كان الكاتب متناقضًا مع نفسه؛ إذ على أي شيء يعتمد في التفرقة بين حالة وجود حقين، وحالة وجود حق واحد.

وعليه فإننا نقول؛ إن المسلمين في العصر المكي كان لديهم حق واحد أو ركن واحد من هذه الأركان الثلاثة، هذا الركن أو الحق هو وجود الجماعة المسلمة؛ فالمسلمون في مكة لم يكونوا أفرادًا متناثرين كما ذكر الكاتب في [ص: 74] من كتابه، بل كانوا جماعة منظمة لها قائد ترجع إليه، وما كان اجتماعه صلى الله عليه وسلم بهم في دار الأرقم إلا نوعًا من التنظيم الجماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت