الصفحة 8 من 23

أمر الله تعالى بقتال الكافرين وقتلهم فقال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة: 5) ، وقال سبحانه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال: 39) ، وقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [91] .

وقال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله) [92] .

وهذه النصوص وغيرها تبين بجلاء أن علة قتال الكفار هي كفرهم، فقد رتبت الآيات والأحاديث القتال على كونهم كفارًا.

قال القرافي رحمه الله: (ظواهر النصوص تقتضي ترتيب القتال على الكفر والشرك ... وترتيب الحكم على الوصف يدل على عِلِّيَة ذلك الوصف لذلك الحكم وعدم عِلِّية غيره) [93] .

وهذا الذي ذكرناه هو المتقرر عند أهل العلم - كما سيأتي تفصيله قريبًا بمشيئة الله -

غير أن الدكتور البوطي له رأي آخر في المسألة لا نعلم له أصلًا عند أحد من السلف، حيث يقرر أن علة قتال الكفار هي الحرابة، وليس الكفر، ويقول: (وما من آية نزلت في الجهاد القتالي إلا وترى فيها - أو في الآيات التي تحيط بها من قبل أو من بعد - ما يبرز هذه العلة للقتال أَلاَ وهي الحرابة، أو القصد والتوثب للحرابة والقتال ... ) [94] .

ويرى؛ (أن الجهاد إنما شرع حفاظًا لمكاسب تحققت لا سعيًا إلى إيجاد ما لم يتحقق منها) [95] .

وهو بهذا التقرير يتفق مع أقوام سبق له أن حمل عليهم وشنع بهم في كتابه"فقه السيرة"، وأعني بهم القائلين؛ بأن الجهاد إنما شرع في الإسلام للدفاع فقط!

استمع إليه وهو يقول في"فقه السيرة": (لقد أشاعوا وروجوا أولًا أن الإسلام دين بطش وحقد على الآخرين، ثم انتظروا إلى أن آتت هذه الشائعة ثمارها من ردود الفعل لدى المسلمين، وإنكار هذا الظلم في حق الإسلام، وبينما المسلمون يلتمسون الرد على هذا الباطل، قام من أولئك المشككين أنفسهم من اصطنع الدفاع عن الإسلام بعد طول علم وبحث متجردين، وراح يرد هذه التهمة قائلًا؛ إن الإسلام ليس كما قالوا دين سيف ورمح وبطش، بل هو على العكس من ذلك دين محبة وسلام، لا يُشرع فيه الجهاد إلا لضرورة رد العدوان المداهم، ولا يُرَغَّب أهله في الحرب ما وجدوا إلى السلام من سبيل، فصفق بسطاء المسلمين طويلًا لهذا الدفاع المجيد في غمرة تأثرهم من الظلم الشنيع الأول، وصادف ذلك في نفوسهم المتحفزة للرد عليه قبولًا حسنًا، فأخذوا يؤيدون ويؤكدون ويستخرجون البرهان تلو الآخر على أن الإسلام فعلًا كما قالوا، دين مسالمة وموادعة، لا شأن له بالآخرين، إلا إذا داهموه في عقر داره وأيقظوه من هدأته وسباته، وفات أولئك البسطاء أن هذه هي النتيجة المطلوبة، وهذا بعينه هو الغرض الذي التقى عليه في السر كل من رَوَّج الشائعة الأولى ثم أشاع الباطل الثاني) [96] .

إذن؛ فالقول بأن الجهاد في الإسلام إنما شرع للدفاع فقط، قول باطل - بنص كلام الدكتور البوطي في"فقه السيرة"- فما باله قد وقع في هذا الباطل في كتابه الجديد عن الجهاد؟!

إني أعلم أنه حين قال إن علة القتال هي الحرابة قد فسر الحرابة بأوسع مما فسرها به أصحاب نظرية الدفاع، ذلك أنه يقول: (إن المراد بالحرابة فيما انتهينا إليه ظهور قصد العدوان ... والقصد من هذا التحرير لمعنى الحرابة أن لا يسبق إلى الذهن ما قد يتخيله بعض الباحثين من أن الحرابة لا تتحقق إلا بوقوع عدوان فعلي) [97] .

ثم يقول: (إن الحرابة ليست محصورة في وقوع عدوان فعلي على المسلمين، بل الحرابة تنشأ مع ظهور قصد عدواني ثم إنها قد تتطور من القصد إلى الكيد والتخطيط ثم إنها قد تنتهي بمباغتة عدوانية) [98] .

أقول: أنا أعلم أن هناك فرقًا في تحديد معنى الحرابة بين ما ذهب إليه الكاتب هنا وبين أصحاب نظرية الدفاع، لكني أيضًا لا أراه فرقًا ذا بال في القضية التي نحن بصددها.

ذلك أن القضية هي الإجابة عن السؤال التالي؛ هب أن دولة كافرة بلغتها دعوة الإسلام وأبى أهلها الدخول في دين الله، وأبوا أن يدفعوا الجزية، لكنهم مع ذلك لم يحاربونا لا بمعنى الحرب الحقيقية، ولا بمعنى ظهور قصد العدوان الذي ذكره البوطي، فهل يجوز لنا قتال أولئك القوم؟

إن الإجابة الصحيحة - كما سبقت الإشارة في أول هذا الفصل هي -؛ نعم يجوز، بل يجب قتالهم، لعموم الأدلة القاضية بقتال الكفار.

لكنَّ الإجابة عند أصحاب نظرية الدفاع ستكون قطعًا: لا يجوز قتالهم، فهم لم يقاتلونا، كما أن إجابة المؤلف - صاحب نظرية ظهور قصد العدوان - ستكون أيضًا: لا يجوز لنا قتالهم، فهم لم يحاربونا ولم يظهر منهم قصد عدوان نحونا.

وبهذا يلتقي المؤلف مع الذين كان من قبل يعتبرهم مشككين ومبطلين، يلتقي معهم؛ في أن الإسلام لا يحارب إلا من حاربه، وإن اختلف معهم في تحديد معنى المحاربة كما أسلفنا، وينسي الدكتور البوطي حملته السابقة على أولئك المشككين المبطلين.

وينسى أيضًا ما قاله من قبل: (أما معنى الجهاد؛ فهو بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله وإقامة المجتمع الإسلامي، وبذل الجهد بالقتال نوع من أنواعه، وأما غايته فهو إقامة المجتمع الإسلامي وتكوين الدولة الإسلامية الصحيحة ... ) [99] .

[91] سبق تخريجه.

[92] سبق تخريجه.

[93] الذخيرة (3/ 387) .

[94] الجهاد في الإسلام ص: 106.

[95] المصدر السابق ص: 199.

[96] فقه السيرة ص 187.

[97] الجهاد في الإسلام ص 107.

[98] المصدر السابق ص: 108.

[99] فقه السيرة ص: 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت