الصفحة 11 من 23

ربما وقع في كلام بعض أهل العلم؛ ما يوهم أن علة قتال الكفار هي درء حرابتهم، ولكنه عند التحقيق لا يفيد ذلك فأحببنا أن ننبه إلى بعض ما ورد من ذلك حتى لا يتعلق به متعلق.

فمن ذلك ما أورده الكمال بن الهمام في"فتح القدير"بعد إثباته فرضية الجهاد بالعمومات الواردة في قتال المشركين، حيث قال: (فإن قلت كيف يثبت الفرض وهي عمومات مخصوصة، والعام المخصوص ظني الدلالة وبه لا يثبت الفرض؟ والجواب أن المخرج من الصبيان والمجانين مخصوص بالعقل على ما عرف، وبالتخصيص به لا يصير العام ظنيًا، وأما غيرهما فنفس النص ابتداءً تعلق بغيرهم فلم يكن من قبيل المخصوص ذلك أن النص مقرون بما يقيده بغيرهم وهو من حيث يحارب لقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} ، فأفاد أن قتالنا المأمور به جزاء لقتالهم ومسبب عنه، وكذا قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ، أي لا تكون منهم فتنة المسلمين عن دينهم بالإكراه والضرب والقتل ... إلخ) [125] .

أقول: فقد يتعلق متعلق بمثل قول الكمال: (فأفاد أن قتالنا المأمور به جزاء لقتالهم ومسبب عنه) ، ليقول: إن هذا يدل على أن علة القتال عنده هي درء الحرابة وليس الكفر، وهذا غير صحيح لما نقلناه سابقًا عن علماء الحنفية، وعن الكمال بن الهمام نفسه من أن قتال الكفار واجب - وإن لم يبدؤونا - فهذا مستقر عنده، ولكن كلامه هنا منصب على بيان السبب، أو الباعث الذي من أجله شرع ابتداء الكافرين بالقتال.

فهو يبين أنه لما كانت طبيعة الكافرين أنهم يتربصون بالمسلمين دائمًا ويريدون فتنتهم عن دينهم، وأنهم لو جاءتهم الفرصة لقتلوا المسلمين وأبادوهم، فمن أجل ذلك شرع قتالهم ابتداءً.

ولست أقول هذا القول استنتاجًا بل هو صريح قوله، حيث قال بعد ذلك ما نصه: (فأمر الله سبحانه بالقتال لكسر شوكتهم، فلا يقدرون على تفتين المسلم عن دينه، فكان الأمر ابتداءً بقتال من حيث يحارب من المشركين بالحديث الصحيح، وقد أكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات الصحيحة لحديث النهي عن قتل النساء حين رأى المقتولة؛"ما كانت هذه تقاتل"... ) [126] .

وإذن فقد اتضح من كلامه؛ أنه لا يبني على قوله: (إن القتال المأمور به هو جزاء لقتالهم ... إلخ) ، لا يبني عليه ما قد يفهمه أصحاب نظرية الدفاع من أنه لا يُبدأ الكفار بقتال حتى يقاتلونا، وإنما يبني على ذلك أنه لا يقاتل إلا من كان من أهل الحرب أو بتعبيره هو"من حيث يحارب"، فكل من كان قادرًا على القتال منهم؛ فإنه يُقَاتَل وإن لم يُقَاتِل فعلًا، ومن لم يكن من أهل القتال - كالنساء والشيوخ والرهبان - فإنه لا يقاتل إلا إن شارك في القتال بيده أو برأيه ونحو ذلك.

وهذا هو رأي الحنفية في مسألة هل يقتل الشيوخ وأهل الصوامع ونحوهم؟ وهي مسالة خلافية بين العلماء، فإن أهل العلم بعد أن اتفقوا على أنه يُبدأ الكفار بالقتال، وعلى أنه لا يقتل النساء والصبيان، اختلفوا في أهل الصوامع والعميان والزمنى والشيوخ الذين لا يقاتلون، والمعتوه والحراث والعسيف.

قال ابن رشد: (فقال مالك: لا يقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع ... وكذلك لا يقتل الشيخ الفاني عنده، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ... وقال الشافعي في الأصح عنه: تقتل جميع هذه الأصناف) [127] .

ثم قال ابن رشد بعد ذلك: (والسبب الموجب لاختلافهم؛ اختلافهم في العلة الموجبة للقتل، فمن زعم أن العلة الموجبة لذلك هي الكفر لم يستثن أحدًا من المشركين، ومن زعم أن العلة في ذلك إطاقة القتال، للنهي عن قتل النساء مع أنهن كفار، استثنى من لم يطق القتال ولم ينصب نفسه إليه، كالفلاح والعسيف) [128] .

ويبدو أن المؤلف حين أورد أن العلماء قد اختلفوا في علة قتال الكفار، وأن قول الأئمة الثلاثة أن العلة هي درء الحرابة، بينما قال الشافعي إن العلة هي الكفر، أقول: يبدو أنه حين ذكر ذلك اعتمد على مثل ما نقلناه عن ابن رشد آنفًا، لكنه كما ترى لا يفيده فيما ذهب إليه، فالخلاف بين الأئمة ليس في قضية هل يقاتل الكفار ابتداءً أم يُنتظر حتى تبدو منهم حرابة؟ لكنه خلاف في قتل بعض أصناف الكفار.

وسبب هذا الخلاف؛ هو الاختلاف في العلة التي لأجلها يقتل الكفار ويقاتلون، أي أن هؤلاء الكفار الذين وجب قتالهم ابتداءً هل شرع قتالهم لمجرد كونهم كفارًا؟ أم لما نقلناه عن الكمال بن الهمام قبل قليل من أن المعروف من طبيعة هؤلاء الكفار أنهم يتربصون بالمسلمين ويودون لو استطاعوا قتلهم أو ردهم عن دينهم، فلذا شرع قتالهم ابتداء؟

فالشافعي لما قال بالأول قال؛ إنه يقتل جميع الكفار إلا من استثنى النص، وهم النساء والأطفال، ومن قال بالثاني؛ ألحق بالنساء والصبيان من لم يكن من أهل الحرب، كالشيوخ والزمنى والفلاحين ونحوهم.

وهذا كما ترى بعيد غاية البعد عما ذكره المؤلف؛ من أن الأئمة الثلاثة قالوا إن علة القتال هي درء الحرابة، بمعنى أنهم لا يحاربون إلا إذا حاربونا أو ظهر منهم قصد العدوان.

وبرهان ما قلته؛ أن ابن رشد حين ذكر هذا الخلاف إنما ذكره في فصل ما يجوز من النكاية في العدو [129] ، أما قضية ابتدائهم بالقتال فقد ذكرها في الفصل الذي قبله: (معرفة الذين يحاربون) [130] ، وفيه ذكر كما أسلفنا أن الذين يحاربون هم جميع المشركين ولم يذكر خلافًا في قضية ابتدائنا إياهم بالقتال، إلا ما ذكر عن مالك من عدم بدء الحبشة والترك بالحرب.

ويؤكد ما قلناه أيضًا؛ أن ابن رشد قد عقد الفصل الرابع من كتاب الجهاد لشرط لحرب، فقال: (فأما شرط الحرب فهو بلوغ الدعوة باتفاق، أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة ... ) [131] .

فإنه رحمه الله قد ذكر شرط بلوغ الدعوة للقتال، ولم يذكر أن هناك من اشترط لقتالهم أن يحاربونا أو يبدو منهم قصد العدوان كما زعم المؤلف.

ثم إني أود أن أختم هذا التنبيه بكلمة لعالم معاصر، تبين صحة ما ذكرناه آنفًا، وهو العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حيث يقول حفظه الله: ( ... وقال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واقعدوا لهم كل مرصد} ، فعمم بقتالهم جميعًا، وتعليق الحكم بالوصف المشتق يدل على أنه هو العلة، فلما علق الحكم بالمشركين والكفار ولمن ترك الدين، ولم يدن بالحق عُرف أن هذا هو العلة، وأنه هو المقتضي لقتالهم، فالعلة الكفر مع شرط كونه من أهل القتال لا من غيرهم، فإذا كانوا من أهل القتال قاتلناهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، إن كانوا من اليهود والنصارى والمجوس، أو حتى يسلموا فقط إذا كانوا من غير هؤلاء الطوائف الثلاث، و إلا فالسيف، لكن من ليس من أهل القتال كالنساء والأولاد والعميان والمجانين والرهبان وأرباب الصوامع، ومن ليس من شأنهم القتال؛ لكونهم لا يستطيعون - كمن تقدم ذكرهم - وهكذا الشيوخ الفانون فهؤلاء لا يقاتلون عند جمهور العلماء؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال) [132] .

[125] شرح فتح القدير على الهداية (5/ 437) .

[126] المصدر السابق (5/ 437 - 438) .

[127] بداية المجتهد (1/ 384) .

[128] المصدر السابق (1/ 385) .

[129] انظر بداية المجتهد (1/ 382) وما بعدها.

[130] المصدر السابق (1/ 381) .

[131] المصدر السابق (1/ 386) .

[132] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز - التوحيد وما يلحق به (3/ 191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت