الصفحة 10 من 23

أولًا؛ إبطال نسبة هذا القول للجمهور

يقول الدكتور البوطي: (ذهب الجمهور وهم الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن علة الجهاد القتالي هي درء الحرابة، وذهب الشافعي في الأظهر من قوليه إلى أن العلة هي الكفر، وهو مذهب ابن حزم أيضًا) [100] .

وأقول: نسبة القول بأن العلة هي الحرابة إلى الحنفية والمالكية والحنابلة؛ نسبة باطلة، وإليك البيان:

1)أما الحنفية:

ففي"الهداية"وشرحه"فتح القدير": (وقتال الكفار الذين لم يسلموا، وهم من مشركي العرب، أو لم يسلموا ولم يعطوا الجزية من غيرهم؛ واجب وإن لم يبدؤونا، لأن الأدلة الموجبة له لم تقيد الوجوب ببداءتهم وهذا معنى قوله للعمومات ... ) [101] .

وقال في"شرح العناية على الهداية"- بعد أن ذكر العمومات الواردة في قتال الكفار كقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ، وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} - قال: (فإن قيل العمومات معارضة بقوله تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} ، فإنه يدل على أن قتال الكفار إنما يجب إذا بدؤوا بالقتال، أجيب؛ بأنه منسوخ وبيانه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الابتداء مأمورًا بالصفح والإعراض عن المشركين ... ثم أُذن بالقتال إذا كانت البداءة منهم ... ثم أمر بالقتال ابتداء في بعض الأزمان بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ... الآية} ، ثم أمر بالبداءة بالقتال مطلقًا في الأزمان كلها وفي الأماكن بأسرها فقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ... الآية} ، {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... الآية} ... ) [102] .

وقال مثل ذلك العيني في شرحه على"الهداية" [103] .

وقال السرخسي: (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورًا في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين ... ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم ... ثم أمر بالبداية بالقتال ... فاستقر الأمر على فرضية الجهاد مع المشركين) [104] .

وقال الكاساني: (فإن كانت الدعوة لم تبلغهم فعليهم الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان ... ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة؛ لأن الإيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل، فاستحقوا القتل بالامتناع، لكن الله تبارك وتعالى حرم قتالهم قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبلوغ الدعوة إياهم فضلًا منه ومنة، قطعًا لمعذرتهم بالكلية، وإن كان لا عذر لهم في الحقيقة) [105] .

فهذا يبين أن مجرد كفرهم وامتناعهم عن الإيمان مبيح لقتالهم، لكن بشرط أن تكون قد بلغتهم الدعوة، ولو كان درء الحرابة هو علة قتالهم؛ لذكر أن الله حرم قتالهم حتى تبدو منهم حرابة، كما فعل ذلك بالنسبة لشرط بلوغ الدعوة.

فهذه النصوص من كتب الحنفية المعتمدة؛ تدل دلالة قاطعة على أن القول عندهم؛ أن المبيح لقتال الكفار هو كفرهم لا درء حرابتهم، فيقاتلون ابتداء وإن لم يبدؤونا بقتال، فيبطل بذلك ما نسبه المؤلف إليهم من القول بأن علة الجهاد القتالي هي درء الحرابة.

والعجيب أن المؤلف قد ذكر في هامش [ص: 94] مصادره التي اعتمد عليها في بيان أن الجمهور يقولون؛ بأن علة القتال هي الحرابة، وذكر منها"فتح القدير"لابن الهمام، وقد نقلنا لك من قبل ما قاله ابن الهمام في ذلك، وفيه كما رأيت خلاف ما ذكره المؤلف غفر الله لنا وله.

2)وأما المالكية:

فقد قال ابن رشد في"بداية المجتهد": (فأما الذين يُحاربون؛ فاتفقوا على أنهم جميع المشركين، لقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} ، إلا ما روي عن مالك أنه قال: لا يجوز ابتداء الحبشة بالحرب ولا الترك، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:"ذروا الحبشة ما وذرتكم" [106] ، وقد سُئل مالك عن صحة هذا الأثر؟ فلم يعترف بذلك، لكن قال: لم يزل الناس يتحامون غزوهم) [107] .

فكون الاتفاق قد وقع على أن المقاتَلين هم جميع المشركين؛ يعني أن العلة هي كونهم مشركين، ويؤكد ذلك ما ذكره عن مالك من تحاشي ابتداء الحبشة والترك بالحرب؛ فإن مفهومه أن غيرهم يقاتل ابتداءً.

وقال القرافي عند تعداده لأسباب الجهاد: (السبب الأول؛ وهو معتبر في أصل وجوبه، ويتجه أن يكون إزالة منكر الكفر، فإنه أعظم المنكرات، ومن علم منكرًا وقدر على إزالته وجب عليه إزالته، ويدل على هذا قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} ، والفتنة هي الكفر) [108] .

ثم يستدل القرافي لذلك بأن: (ظواهر النصوص تقتضي ترتيب القتال على الكفر والشرك، كقوله تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ، و {قاتلوا المشركين كافَّة} ، وقوله:"قاتلوا من كفر بالله"، وترتيب الحكم على الوصف يدل على عِلِّية ذلك الوصف لذلك الحكم وعدم عِلية غيره) [109] .

وقال ابن عبد البر: (يُقاتَل جميع أهل الكفر من أهل الكتاب وغيرهم ... وسائر الكفار من العرب والعجم؛ يقاتلون حتى يُسلِموا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ... وكل من أبى من الدخول في الإسلام أو أبى إعطاء الجزية؛ قوتل ... ) [110] .

فقد بين رحمه الله أن كل من أبى الإسلام ورفض إعطاء الجزية من الكفار؛ فإنه يقاتل، ولم يشترط لذلك أن يحاربنا أو يبدو منه قصد العدوان - على حد تعبير المؤلف -

وجاء في الشرح الصغير: (الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى كل سنة، فلا يجوز تركه سنة، كإقامة الموسم بعرفة والبيت وبقية المشاهد؛ كل سنة فرض كفاية) [111] .

فتحديد جهاد الطلب بأنه مرة في كل سنة يبين أننا نقاتل الكفار لكفرهم وإن لم تظهر منهم حرابة؛ لأن القتال لو كان لا يجوز إلا عند عدوانهم، أو ظهور قصد العدوان منهم لم يجز التحديد بأن يكون في كل سنة مرة، ولكان الواجب حينئذ أن يقول إنه يجب عند الحاجة إليه لدرء الحرابة عن المسلمين.

وقال أيضًا: (ودعوا أولًا وجوبًا للإسلام ولو بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ما لم يبادونا للقتال، وإلا قوتلوا بلا دعوة) [112] .

أقول: والتفريق بين حالة أن يبادرونا بالقتال، وحالة أن لا يبادرونا، يبين أن القتال في الحالتين مشروع، لكنه في الأولى يكون بغير دعوة ويكون في الثانية بعد الدعوة.

والعجيب أن المؤلف قد عد"الشرح الصغير"من مصادره في أن قول الجمهور - ومنهم المالكية - أن القتال إنما يكون لدرء الحرابة، بل أشار إلى نفس الموضع الذي نقلنا منه هذا النقل الأخير الدال على خلاف ما نسبه البوطي إلى جمهور أهل العلم [113] .

وقال ابن رشد: (وإنما يقاتل الكفار على الدين ليدخلوا من الكفر إلى الإسلام، لا على الغلبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"... ) [114] .

وقال ابن العربي في الكلام على قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} (البقرة: 193) : (المسألة الثالثة: أن سبب القتل هو الكفر بهذه الآية، لأنه تعالى قال {حتى لا تكون فتنة} ، فجعل الغاية عدم الكفر نصًا، وأبان فيها أن سبب القتل المبيح للقتال الكفر) [115] .

وقال عند قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} (التوبة: 5) : (هذا اللفظ وإن كان مختصًا بكل كافر عابد للوثن في العرف، ولكنه عام في الحقيقة لكل كافر بالله، أما أنه بحكم قوة اللفظ يرجع تناوله إلى مشركي العرب الذين كان العهد لهم وفي جنسهم، ويبقى الكلام فيمن كفر من أهل الكتاب وغيرهم فيقتلون بوجود علة القتل، وهي الإشراك فيهم إلا أنه قد وقع البيان بالنص عليهم في هذه السورة) [116] .

وهو يقصد بالنص عليهم قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29) .

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} (البقرة: 193) ، قال: (أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع ... وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله تعالى: {ويكون الدين لله} ، وقال صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر، لأنه قال: {حتى لا تكون فتنة} أي كفر فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر) [117] .

فهذه أقوال المالكية، وهي أوضح ما تكون في أن علة قتال الكفار كفرهم، لا درء حرابتهم، والله المستعان.

3)وأما الحنابلة:

فقد قال ابن قدامة: (ويُبعث في كل سنة جيش يغيرون على العدو في بلادهم) [118] .

وواضح من ذلك؛ عدم اشتراط الحرابة للقتال، وهل هناك أوضح من القول بالإغارة على الكفار في بلادهم في بيان أن قتالهم إنما شرع ابتداءً لا ردًا على عدوانهم.

وقال الخرقي في مختصره: (ويقاتل أهل الكتاب والمجوس، ولا يدعون، لأن الدعوة قد بلغتهم، ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا) .

وقال ابن قدامة في شرح ذلك: (أما قوله في أهل الكتاب والمجوس لا يدعون قبل القتال؛ فهو على عمومه، لأن الدعوة قد انتشرت وعمت، فلم يبق منهم من لم تبلغه الدعوة إلا نادر بعيد، وأما قوله يدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا؛ فليس بعام فإن من بلغته الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دُعي قبل القتال، وكذلك إن وجد من أهل الكتاب من لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال) [119] .

فأنت ترى هنا ربط القتال بقضية بلوغ الدعوة فقط، فمن بلغته الدعوة قوتل، ومن لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يُدعى إلى الإسلام وليس هناك ربط للقتال بقضية الحرابة كما زعم المؤلف.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لما نزلت براءة؛ أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتديء جميع الكفار بالقتال وثنيهم وكتابيهم، سواء كفوا أم لم يكفوا) [120] .

وقال: (وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم؛ يجب ابتداءً ودفعًا، فإن كان ابتداءً فهو فرض على الكفاية ... فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم ... فهذا دفع عن الدين والحرية والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها ... ) [121] .

وقال ابن القيم - بعد أن ذكر مرحلة الصفح و العفو ثم مرحلة الإذن في القتال دون فرض: (ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وكان محرمًا ثم مأذونًا به ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين) [122] .

وقال البليهي: (ويجب الجهاد ابتداء لا دفاعًا على قول المحققين من العلماء، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا ليس بالإمكان حصرها ... ) [123] .

وقال ابن مفلح: (ومن لم تبلغه الدعوة حرُم قتاله قبلها، ويجب ضرورةً، ويسن دعوة من بلغه، وعنه قد بلغت الدعوة كل أحد فإن دعا فلا بأس ... ) [124] .

وقد بينا لك من قبل وجه دلالة اشتراط الدعوة قبل القتال على أنه يقاتل الكفار ابتداءً، ونضيف هنا أن قوله: (ويجب ضرورة) ، يدل دلالة قوية على ما قلناه، وذلك أن معنى هذا القول أنه إذا داهم الأعداء ديار المسلمين وحصل منهم الاعتداء، فلا تجب الدعوة حتى ولو لم تكن قد بلغتهم بل يجب الجهاد حينئذ بلا دعوة.

وقد ذكر محقق كتاب"الفروع"أنه وجد بهامش مخطوطة الكتاب حاشية بخط ابن مغلي نصها: (قوله؛"ويجب ضرورة"، أي يجب القتال قبل الدعوة إذا دعت الضرورة إليه، بأن يغشى الكفار المسلمين محاربين فيقاتلونهم حينئذ قبل الدعوة وجوبًا، لحصول الهلاك بالتأخير، ذكر معناه ابن أبي موسى في"الإرشاد"، وكذا نص عليه مالك رحمه الله) .

أقول: فإذا كانت الحالة التي يجب فيها القتال بلا دعوة هي حالة العدوان علينا في ديارنا، فماذا تكون الحالة التي يلزمنا فيها الدعوة قبل القتال؟ لا شك أنها حالة الجهاد الطلبي التي نبدأهم فيها بالقتال، والله أعلم.

[100] الجهاد في الإسلام ص: 94.

[101] شرح فتح القدير للكمال بن الهمام على الهداية لبرهان الدين المرغيناني (5/ 441)

[102] شرح العناية على الهداية للبابرتي المطبوع مع شرح فتح القدير (5/ 441) .

[103] شرح العيني على الهداية المسمى بالبناية (6/ 493) .

[104] المبسوط (10/ 2) .

[105] بدائع الصنائع (9/ 3404 - 3405) .

[106] الحديث أخرجه أبو داود (4302) والنسائي (6/ 43 - 44) عن أبي سكينة رجل من المحررين عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ (دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم) وحسنه الألباني في الصحيحة (772) .

[107] بداية المجتهد (1/ 389) .

[108] الذخيرة (3/ 387) .

[109] المصدر السابق نفس الصفحة.

[110] الكافي (1/ 466) .

[111] الشرح الصغير (2/ 267 - 272) .

[112] الشرح الصغير (2/ 275) .

[113] انظر الجهاد في الإسلام هامش ص: 94.

[114] مقدمات ابن رشد (1/ 351) .

[115] أحكام القرآن: (1/ 109) .

[116] المصدر السابق (2/ 901) .

[117] تفسير القرطبي (2/ 353) .

[118] المغني (10/ 360) .

[119] المغني (10/ 379) .

[120] الصارم المسلول ص: 220.

[121] مجموع الفتاوى (28/ 358) .

[122] زاد المعاد (2/ 58) .

[123] السلسبيل في معرفة الدليل (2/ 5) .

[124] الفروع (6/ 197) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت