الصفحة 17 من 23

يقول الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29) .

فهذه الآية هي آية سيف أهل الكتاب القاضية بقتالهم لكونهم كفروا بالله ورسوله ولم يدينوا دين الحق وهو الإسلام، فهي دليل؛ على أن الكفر وليس الحرابة هو موجب قتال هؤلاء الكفار.

لكن المؤلف يعترض على الاستدلال بهذه الآية فيقول:(أولًا: لقد جعل الله الغاية في الأمر بالقتل [195] الخضوع لنظام الجزية ولا ضير عندئذٍ في عدم الدخول في الإسلام، ولو كان القتال من أجل الكفر كما قالوا لما قام الخضوع لنظام الجزية مقام الإسلام، وهذا واضح، إذن فما المشكلة التي أنهاها نظام الجزية حتى انتهى بسبب ذلك القتال؟ إنها مشكلة واحدة هي مشكلة الحرابة، فوجود الحرابة هو المبرر للقتال، وانتهاؤها بالاتفاق على نظام الجزية هو الذي أنهى الحرابة ومد رواق السلم.

ثانيًا: أن الآية أمرت بالقتال لا بالقتل، وقد علمت الفرق الكبير بين الكلمتين ... إلخ كلامه) [196] .

وأقول: لسنا بحاجة إلى نقل بقية كلامه في الفرق بين القتل والقتال؛ فقد ذكرناه من قبل، وبيَّنا ما فيه من خطأ ظاهر بيِّن، لكن يبقى القول فيما أثاره من أنه لو كانت علة القتال هي الكفر لما جعلت الآية غايته دفع الجزية.

فأقول، وبالله التوفيق:

أولًا: سنفرض جدلًا صحة ما ذهب إليه المؤلف من أن الآية لا تدل على أن موجب القتال هو الكفر، فمن أين جاء هو بمسألة الحرابة؟ هل جاء في الآية أو غيرها؛ أنه لا يقاتل الكفار إلا إن بدؤوا بقتالنا أو بقتلنا - حسب فهم المؤلف للفرق بين القتل والقتال -؟

ثانيًا: إذا كانت علة القتال هي الحرابة، فإنه - وبناء على فهم المؤلف - ينبغي أن تكون غاية القتال التي ينتهي عندها، هي انتهاء الحرابة، فما الداعي حينئذ لفرض الجزية عليهم؟

ثم إننا إذا سايرنا المؤلف فيما ذهب إليه من أن وجود الحرابة من قوم من الكفار هو الذي أوجب قتالهم، وأن نظام الجزية جاء منهيًا لحرابتهم، فما بال الأجيال اللاحقة من أبناء أولئك الكفار وأحفادهم؟ لماذا تستمر الجزية مفروضة عليهم، وهم لا ذنب لهم فيما فعله آباؤهم وأجدادهم من حرب المسلمين؟

ثالثًا: إنه ليس هناك تعارض بين قولنا إن علة قتال الكفار هي كفرهم وبين كون الآية قد جعلت غاية القتال هي إعطاء الجزية، وذلك لأن ما قصدناه بالعلة هو الباعث والسبب الموجب لقتالهم وكان هدفنا بيان أن هؤلاء الكفار إنما يقاتلون ابتداءً حتى وإن لم تبدُ منهم حرابة، ثم هذا القتال الذي وجب ابتداءً متى ينتهي؟

لا شك أنه ينتهي بأحد أمرين؛ إما الإسلام، وإما الجزية، فالآية ذكرت أحد الأمرين، لكن الأمر الآخر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، ويدل عليه أن الآية الكريمة ذكرت الأوصاف التي لأجلها استحق هؤلاء أن يقاتلوا، وهي كونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، فهذه الأوصاف هي الباعث على قتالهم، فإن انتهوا عنها ودخلوا في الإسلام؛ انتهى القتال، وإن لم ينتهوا عنها ولكنهم قبلوا دفع الجزية فلا بأس بذلك أيضًا.

وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك:

فعن جبير بن حية قال: (بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين ... الحديث) [197] ، وفيه من قول المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد نمص الجلود والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينما نحن كذلك؛ إذ بعث رب السموات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمه ... فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية ... ) .

وفي حديث بريدة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش أوسرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ... وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا؛ فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم) [198] .

فهذان الحديثان يدلان على أن غاية القتال أحد أمرين؛ إما الإسلام وإما دفع الجزية، وهذا لا يمنع أن تكون علة القتال هي الكفر؛ لأن الذي شرع قتال أهل الكتاب ورتب قتالهم على كونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، هو نفسه الذي جعل غاية قتالهم أن يسلموا أو يدفعوا الجزية.

ولذلك فقد اعتبر القاضي أبو بكر بن العربي مشروعية الجزية تخصيصًا للأمر بقتال المشركين حتى يسلموا، فقد قال رحمه الله: (فإن قيل: فهل يكون هذا نسخًا أو تخصيصًا؟ قلنا هو تخصيص لأنه سبحانه أباح قتالهم وأمر به حتى لا يكون كفر، ثم قال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد} ، فخصص من الحالة العامة حالة أخرى خاصة وزاد إلى الغاية الأولى غاية أخرى، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، وقال في حديث آخر:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، ثم ذكر في حديث آخر الصوم والحج ولم يكن ذلك نسخًا، وإنما كان بيانًا وكمالًا) [199] .

ومن ذلك نعلم؛ أن إضافة غاية أخرى للقتال لا تقدح في السبب الموجب للقتال وهو الكفر، وإنما يكون لكلام المؤلف شيء من الوجاهة لو أن الغاية الأولى، وهي دخولهم في الإسلام، قد نسخت وصار المطلوب هو الجزية فقط، فعند ذاك قد يصح أن يقال كيف يكون الكفر علة قتالهم ونحن لا نطلب منهم إلا دفع الجزية، أما والغاية الأولى وهي الإسلام موجودة، بل هي الأصل وهي المطلب الأول الذي يطلبه المسلمون من عدوهم كما في حديث بريدة فإنه لا وجه إطلاقًا لمثل هذا الكلام.

وإن غاية ما يمكن أن يقال في مثل هذه الآية الكريمة؛ أن علة قتال أهل الكتاب - ومن في حكمهم - أنهم كفار بلغتهم الدعوة، ومع ذلك لم يسلموا وأبوا أن يدفعوا الجزية، لكن ليس فيها ولا في غيرها ذكر لكون الكفار لا يقاتلون إلا إن بدت منهم حرابة.

وإنك إذا رجعت إلى مثل الحديثين اللذين ذكرناهما آنفًا، لم تجد أي ذكر للحرابة؛ فالمغيرة حين قال لعامل كسرى: (فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم ... إلخ) ، لم يقل؛ إنكم يا معشر الفرس قد اعتديتم علينا! أو رأينا منكم حرابة! ولو كان الأمر على ما ذكر المؤلف لكان من الأنسب أن يقول له:"إنما جئناكم ردًا على عدوانكم فأنتم البادئون ونحو ذلك"، وأنت ترى أن المغيرة قد أفاض في ذكر حال العرب في الجاهلية ثم تغيره بالإسلام، وبيَّن أن مجيئهم لقتال الفرس إنما هو لأن النبي أمرهم بقتالهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية، ولم يذكر شيئًا عن قضية الحرابة التي يدندن حولها المؤلف وأمثاله.

وكذلك حديث بريدة ليس فيه ذكر للحرابة، بل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (قاتلوا من كفر بالله) ، فجعل صفة الكفر بالله هي الباعثة على القتال، لا صفة الحرابة، والله أعلم.

[195] كذا بالكتاب المذكور، وهو لا يستقيم مع قول الكاتب بأن الله أمر بقتال المشركين لا بقتلهم فتأمل.

[196] الجهاد في الإسلام ص: 101.

[197] أخرجه البخاري (3159) والبيهقي (9/ 191 - 192) .

[198] سبق تخريجه.

[199] أحكام القرآن (1/ 110) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت