الصفحة 18 من 23

رابعًا؛ فرضية قصد العدوان؛ توجب البدء بقتال الكافرين

لقد ثبت لنا - بحمد الله - بطلان القول: بأن قتال الكفار لا يكون إلا درءًا لحرابتهم، سواء فسرت الحرابة بوقوع العدوان منهم فعلًا، أو فسرت بما سمَّاه المؤلف ظهور قصد العدوان، ونريد هنا أن نبين أنه بافتراض صحة نظرية قصد العدوان التي قال بها المؤلف فإنه لا بد من بدء الكفار بالقتال، ولا حاجة بنا إلى انتظار أن تبدو منهم الحرابة أو تتسرب إلينا أخبار التخطيط لها، وذلك لأن قصد الحرابة والعدوان متوفر دائمًا وأبدًا عند المشركين، وهم في كل أحوالهم يكيدون للإسلام وأهله، وقد كشف لنا العليم الخبير في كتابه الكريم عما تحمله قلوب أهل الكفر من عداوة لنا معاشر المسلمين، وبين لنا سبحانه أنهم لا يزالون يقاتلونا حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا، قال تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} (البقرة: 217) ، وقال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} (البقرة: 120) .

يقول الشوكاني في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم ... الآية} : (ابتداء كلام يتضمن الإخبار من الله عز وجل للمؤمنين؛ بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا وتهيأ لهم ذلك ... ) [200] .

ويقول الأستاذ سيد قطب عند حديثه عن هذه الآية: (وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر، وعلى فتنة المسلمين عن دينهم بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم، وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل ... إن وجود الإسلام بذاته هو غيظ ورعب لأعداء هذا الدين ... وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته، ولكن الهدف يظل ثابتًا أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا، وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحًا غيره ... والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام وينبهها إلى الخطر ويدعوها إلى الصبر على الحرب وإلا فهي خسارة الدنيا والآخرة ... ) [201] .

أقول: فماذا بعد إخبار الله تعالى لنا بحقيقة مقاصد هؤلاء الكافرين، وأنها لا تنطوي إلا على عداوة دائمة وحقد دفين ومحاولة دائمة لرد المسلمين عن توحيدهم وصرفهم عن دينهم؟

ثم ها هو التاريخ شاهد صدق على سلوك الكفار في كل وقت وحين، وأنهم دائمًا يتربصون بنا الدوائر ويشنون الحروب كلما أمكنهم، وذلك من أجل القضاء على هذا الدين. فإن توقفت حروبهم لفترة فإن أساليبهم الأخرى من الكيد والمكر والتآمر وغزو المسلمين في ثقافتهم وعقيدتهم لا تنتهي أبدًا.

ولا شك أن ذلك كله مما يظهر لنا قصد العدوان منهم، وأن الشارع الحكيم حينما شرع قتالهم ابتداء كان من حكمه العظيمة في ذلك مراعاة هذا الجانب، أي مراعاة أنهم لا يتركوننا وإن تركناهم وأن تربصهم بنا وعداوتهم لنا دائمة مستمرة.

وقد مر بنا من قبل ما ذكره الكمال بن الهمام؛ من أن الله أمر بقتالهم ابتداء لكسر شوكتهم حتى لا يفتنوا المسلمين عن دينهم بالتعذيب والإكراه ونحوه، وأن ذلك حالهم مع المسلمين [202] .

[200] فتح القدير (1/ 218) .

[201] في ظلال القرآن (1/ 227 - 228) .

[202] انظر ص: 96 - 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت