الصفحة 16 من 23

إننا حين نبطل هذا الذي ادعاه المؤلف، فإننا لا ننكر أن هناك فرقًا بين القتل والقتال، لكنا ننكر أن هذا الفرق هو الذي ذكره المؤلف؛ من أن القتل هو الابتداء، والقتال هو الرد على هذا الابتداء، وقد أشرنا من قبل إلى الفرق الصحيح بينهما.

ونزيد هنا الأمر وضوحًا فنقول: إن الفعل"قاتل"على وزن فاعل، ومصدره فِعَال أو مفاعلة، وهو يقتضي وقوع الفعل من طرفين، وإذا وقع القتال؛ سمي كلا الطرفين مقاتلًا - بغض النظر عن الباديء منهما كما أسلفنا - أما القتل؛ فهو ما وقع فيه الفعل من طرف دون الآخر.

ولأجل هذا الفرق اللغوي بين الأمرين؛ ذكر العلماء حالات يجوز فيها قتال الشخص لكن لا يجوز قتله، ومقصودهم أنه قد يحل قتال الشخص طالما هناك حرب وقتال، لكن إن قدر عليه بعد القتال لعجزه أو جرحه أو غير ذلك، فقد يكون حكمه عدم جواز قتله، ومثال ذلك البغاة فإنهم يقاتلون، ومن قُتل منهم أثناء القتال فبالحق والشرع قُتل، لكن إن ظُفر بالواحد منهم بعد انتهاء القتال؛ فإنه لا يُقتل عند الحنابلة، وعند غيرهم تفصيل واختلاف [187] .

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليه منهم، بل إذا أسر الرجل منهم في القتال أو غير القتال، مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء) [188] .

ومثل كلام ابن تيمية ما نقله البيهقي عن الشافعي رحمه الله: (ليس القتل من القتال بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله) [189] .

والعجيب أن المؤلف قد ذكر عبارة الشافعي هذه؛ مستدلًا بها على تفريقه الفاسد بين القتل والقتال [190] ، وليس في قول الشافعي ما يفيد المؤلف فيما ذهب إليه، فإن الشافعي رحمه الله لا يقصد إلا مثل ما ذكرناه من أنه قد يحل قتال الرجل، لكن إن قدر عليه في غير قتال؛ فإنه لا يقتل، وهذا الذي يقتضيه المعنى اللغوي للقتل والقتال - كما أسلفنا -

ولما كان المؤلف قد وضع تفريقه الغريب بين القتل والقتال؛ فإنه استغرب في كتابه [ص: 103] من الإمام الشافعي أن يقول هذا القول ثم يستدل بعد ذلك بحديث؛ (أمرت أن أقاتل الناس) ، على أن سبب الجهاد القتالي الكفر لا الحرابة.

وقد بينا بحمد الله معنى قول الشافعي رحمه الله: (ليس القتل من القتال بسبيل ... إلخ) ، وعليه فلا تناقض بين ذلك، وبين القول؛ بأن علة قتال الكفار هي الكفر لا الحرابة، ولا محل لاستغراب المؤلف صدور ذلك من الإمام الشافعي رحمه الله.

ومن أقوال العلماء أيضًا في التفريق بين القتل والقتال ما ذكره الحافظ في شرح حديث ابن عمر: (أمرت أن أقاتل الناس) ، حيث قال:(وقال الشيخ محيي الدين النووي: في هذا الحديث أن من ترك الصلاة عمدًا يقتل، ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك، وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب بأن حكمهما واحد لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرًا بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة؛ قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحدًا منهم صبرًا، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر، للفرق بين صيغتي أقاتل وأقتل، والله أعلم.

وقد أطنب ابن دقيق العيد في"شرح العمدة"في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين ولا كذلك القتل) [191] .

وقد أورد المؤلف هذا النقل في كتابه [192] مستدلًا به على ما ذهب إليه، ثم قال: (فإذا كان الاستدلال على قتل تارك الصلاة بهذا الحديث باطلًا - كما يقول ابن حجر وغيره - لأن رسول الله عبر في حقه بكلمة المقاتلة لا القتل، فكيف يصح الاستدلال بالحديث على قتل من أبى الدخول في الإسلام، مع أن تارك الصلاة عمدًا يتحمل عهدة التكليف بمقتضى كونه مسلمًا كما يتحمل عهدة الإذعان لعقوبة الحدود، أما غير المسلم فلا يتحمل عهدة أي شيء من ذلك) [193] .

وتعقيبًا عليه أقول:

أ) لا يقصد الحافظ بتفريقه بين القتل والقتال ما ذهب إليه المؤلف، من أن القتل هو الابتداء، والقتال هو رد الاعتداء، وكل ما قصده الحافظ هو ما ختم به كلامه نقلًا عن ابن دقيق العيد؛ من أن المقاتلة تقتضي مفاعلة من الجانبين، أما القتل فإنه يكون من جانب واحد.

ب) إن الحافظ حين رد الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة، لم يقصد أن تارك الصلاة لا يقتل، لكنه قصد فقط؛ أنه لا يصلح الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة، لكن الحكم ثابت عنده، فقد أقر في سياق كلامه بقتل تارك الصلاة، لأنه فرق بينه وبين تارك الزكاة مبينًا أن تارك الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرًا، أي فلا حاجة لقتله، أما تارك الصلاة فلا يمكن أن يُقهر، ولذا فإنه يقتل.

ولذلك فقد وافق الكرماني في حكم قتال تاركي الصلاة والزكاة، أي في أن تاركي كلًا منهما - إن كانوا طائفة - يقاتلون، أما في الحالة الفردية وهي حالة الواحد المقدور عليه، فإنه لم يوافق الكرماني في قوله بأنهما سواء.

وقول الحافظ في سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مانعي الزكاة: (ولم ينقل أنه قتل أحدًا منهم صبرًا) ، هذا القول يدل على أنه يرى أن القتل صبرًا، وإن كان غير جائز في حق المقدور عليه من مانعي الزكاة، فإنه مشروع في حق المقدور عليه من تاركي الصلاة.

ج) يذكر المؤلف أنه إذا كان الحديث لا يدل على قتل تارك الصلاة، فإنه لا يدل على قتل من أبى الدخول في الإسلام من باب أولى.

وأقول: يكفينا أن الحديث قد دل على وجوب قتال الكفار، وقد أثبتنا من قبل؛ أن القتال ليس معناه رد العدوان، فالواجب قتالهم ابتداءً - أي سواء قاتلونا أو كفوا عنا -

وقد جاءت النصوص بقتلهم أيضًا، كما في قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة: 5) .

قال القاضي أبو بكر ابن العربي في قوله تعالى: {اقعدوا لهم كل مرصد} ، قال: (في هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة) [194] .

[187] انظر المغني (10/ 60) .

[188] مجموع الفتاوى (28/ 355) .

[189] انظر فتح الباري (1/ 76) .

[190] انظر ص: 60 من الكتاب المذكور.

[191] فتح الباري (1/ 76) .

[192] انظر الجهاد في الإسلام ص: 60.

[193] الجهاد في الإسلام ص: 61.

[194] أحكام القرآن (2/ 92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت