الجهاد في اللغة مشتق من الجهد بفتح الجيم وضمها وهو المشقة [1] .
وقال الحافظ ابن حجر: (الجهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقة يقال جهدت جهادًا بلغت المشقة) [2] .
وقال النووي: (الجهاد والمجاهدة والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع) [3] .
أما في الاصطلاح الشرعي فهو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، وقد يتسع ليشمل جهاد النفس والشيطان وغير ذلك، لكنه إذا أطلق فإنما يقصد به ما ذكرنا من القتال لإعلاء كلمة الله.
يقول الحافظ ابن حجر في تتمة كلامه السابق: (وشرعًا بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق) [4] .
ويقول ابن رشد: ( ... فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [5] .
وهذا الذي نقلناه عن ابن حجر، وابن رشد؛ لا نعلم أحدًا قال بخلافه، ونصوص الشرع لا تدل إلا عليه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟) .
وفي رواية: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) [6] .
وموضع الشاهد في الحديث؛ أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه لا يعدل الجهاد في سبيل الله إلا الصلاة والصيام بالصورة المذكورة في الحديث، مع كون الصائم القائم مجاهدًا لنفسه، ولكن لما أطلق الجهاد لم يقصد به إلا القتال في سبيل الله.
ومثل هذا الحديث في الدلالة؛ حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) [7] .
فقد فرق صلى الله عليه وسلم بين الصلاة وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله مع أن الصلاة من جهاد النفس كما أسلفنا، وبر الوالدين نوع من الجهاد، كما قال صلى الله عليه وسلم لمن جاء يستأذنه في الجهاد: (أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) [8] .
فدل الحديث على أن الجهاد عند إطلاقه يقصد به القتال لإعلاء كلمة الله.
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عرَّف الجهاد بهذا الذي قلناه؛ ففي حديث عمرو بن عبسة: (قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم ... ) [9] .
وبعد هذا الذي ذكرناه، يحق لنا أن نتعجب مما ذكره الدكتور البوطي في كتابه عن الجهاد من إنكاره على من لا يفهمون مِن الجهاد إذا ذكر أمامهم إلا الجهاد القتالي.
حيث يقول: (استقر في أذهان أكثر الناس أن الجهاد الذي هو جزء أصيل من أحكام الإسلام وشرائعه، إنما شرع بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فلم يكن للجهاد قبل ذلك حكم ولا ذكر غير أن الحقيقة ليست كذلك، فالعهد المكي من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم حفل بالجهاد كما حفل به العهد المدني) [10] .
ثم يقول: (وسبب هذا الذي استقر في أذهان كثير من الناس أنهم حصروا الجهاد في معناه القتالي، ولا شك أن مقاتلة المشركين إنما شرعت بعد استقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فظنوا أن الجهاد عمومًا إنما شرع بعد الهجرة، ولقد أدى هذا التصور إلى إزالة سمة الجهاد عن كثير من أنواعه بل عن أهم أنواعه إذ لا شك أن أهم أنواع الجهاد هو ذاك الذي استقر وجوده مع فجر الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة فكان أساسًا لما تفرع عنه بعد ذلك من جراء عوارض الظروف والأحوال، إن من أهم أنواع الجهاد التي شرعت مع فجر الإسلام مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين ومِن ورائه أصحابه بدعوتهم إلى الحق وتفنيد ما كانوا يعكفون عليه من تقاليد الآباء والأجداد) [11] .
أقول: يحق لنا أن نتعجب من هذا الكلام، فإن إنسانًا مسلمًا لو فهم من الجهاد معنى القتال فلا تثريب عليه؛ لأن الجهاد إذا أُطلق فالمقصود به كما أسلفنا هو القتال، فلم التشنيع إذن على من يقول إن الجهاد إنما شرع بالمدينة؟ إذا كان يعني ما استقر عليه إجماع الأمة من أن الجهاد إذا أُطلق فإنما يقصد به القتال بالسيف في سبيل الله.
إن كون المتبادر إلى أذهان كثير من الناس من معنى الجهاد؛ أنه القتال، لا يعني إلغاء دور الجهاد الدعوي، والمسلمون اليوم عالِمهم وعاميهم يعلمون - بحمد الله تعالى - من سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم مواقفه العظيمة في مكة من إصراره على الدعوة إلى الله وتحمل الأذى في سبيل ذلك، وكون البعض لا يسميه جهادًا لأنه قد استقر في ذهنه أن الجهاد هو القتال ليس بالأمر الخطير، وإنما يكاد يكون خلافًا في الاصطلاح لا ضرر منه ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقولون.
فالكاساني مثلًا يطلق على جهادي الدعوة والقتال كليهما اسم الدعوة، حيث يقول: (والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال ودعوة بالبيان وهو اللسان وذلك بالتبليغ) [12] .
[1] انظر القاموس المحيط (1/ 286) .
[2] فتح الباري (6/ 5) .
[3] تحرير التنبيه ص: 338.
[4] فتح الباري (6/ 5) .
[5] مقدمات ابن رشد (1/ 342) .
[6] أخرجه البخاري (2785) وله الرواية الأولى، ومسلم (1878) وله الرواية الثانية وهو برواية مسلم عند الترمذي (1619) .
[7] أخرجه البخاري (527) ، (2782) ومسلم (85) والترمذي (173) والنسائي (1/ 292 - 293) .
[8] أخرجه البخاري (3004) ومسلم (2549) وأبو داود (2529) والترمذي (1671) والنسائي (6/ 10) من حديث عبد الله بن عمرو.
[9] أخرجه أحمد (4/ 114) وعبدالرزاق عن معمر في الجامع الملحق بالمصنف (20107) والحديث أورده الهيثمي في المجمع (1/ 59) و (3/ 207) وقال: رجاله رجال الصحيح.
[10] الجهاد في الإسلام ص: 19.
[11] المصدر السابق ص: 20.
[12] بدائع الصنائع (9/ 4304) .