الصفحة 3 من 23

ليس من الخطأ إذن أن لا يفهم البعض من الجهاد إذا أطلق إلا معناه القتالي، لكن الخطأ كل الخطأ أن يقلل البعض من أهمية بعض أنواع الجهاد، أو أن يخطيء في بيان الأعظم منها فإن الواضح من كلام المصنف الذي نقلناه آنفًا أنه يرى الدعوة اللسانية أهم أنواع الجهاد وليس الأمر كذلك بل أهم أنواع الجهاد هو القتال في سبيل الله ويدل على ذلك نصوص كثيرة، منها:

قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا} (النساء: 95) .

فهؤلاء القاعدون الذين فُضِل عليهم المجاهدون قد يكونون قائمين بأمر جهاد الدعوة وجهاد النفس؛ لأن الله وعدهم الحسنى ومع ذلك فضل عليهم المجاهدون بالنفس والمال فدل ذلك على أفضلية الجهاد القتالي على ما عداه من أنواع الجهاد.

ومن تلك النصوص قوله صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ... ) [13] .

وقد علمنا أن الجهاد إذا أُطلق فمعناه القتال في سبيل الله.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [14] .

فلا شك أن الكفر من المنكرات بل هو أكبر المنكرات فوجب إزالته بهذا الحديث.

قال القرافي عند تعداده أسباب الجهاد: (السبب الأول؛ وهو معتبر في أصل وجوبه ويتجه أن يكون إزالة منكر الكفر، فإنه أعظم المنكرات، ومن علم منكرًا وقدر على إزالته وجب عليه إزالته) [15] .

وقد بين الحديث السابق درجات التغيير، وأعلاها التغيير باليد الذي يشمل القتال، ولا شك أن قوله: (فإن لم يستطع) ؛ يدل على أن كل مرتبة تحتاج إلى جهد ومشقة أكبر من التي تليها، وإنما يكون الأجر على قدر المشقة، ثم إنه صلى الله عليه وسلم ينبه أمته أولًا إلى المطلب الأسمى، فمن لم يكن قادرًا عليه فإنه ينتقل إلى ما هو أدنى منه، حتى ينتهي إلى أضعف الإيمان وهو التغيير بالقلب فدل ذلك على أن أقوى الإيمان التغيير باليد وأوسطه التغيير باللسان وأضعفه التغيير بالقلب.

قال النووي رحمه الله: (وأعلى ثمرات الإيمان في باب النهي عن المنكر أن ينهى بيده وإن قتل شهيدًا) [16] .

وقال ابن رجب الحنبلي: (وقوله صلى الله عليه وسلم في الذي ينكر بقلبه؛"وذلك أضعف الإيمان"، يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان ويدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها كان أفضل ممن تركها عجزًا، ويدل على ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء:"أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي"، يشير إلى أيام الحيض مع أنها ممنوعة حينئذٍ من الصلاة، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورًا في تركه، والله أعلم) [17] .

ومن تلك النصوص حديث أبي سعيد الخدري، قال: (قيل يا رسول الله: أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) [18] .

قال البخاري رحمه الله: (باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله) ثم ذكر الحديث السابق وحديثًا آخر [19] .

وقال ابن دقيق العيد: (القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر، ودحضه ففضيلته بحسب فضيلة ذلك والله أعلم) [20] .

ومن تلك النصوص حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟) [21] .

قال الحافظ: ( ... وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي ألا يعدل الجهاد شيء من الأعمال) [22] .

الرد على استدلالات المؤلف في ذلك:

يذكر المصنف مستدلًا على ما ذهب إليه قوله تعالى عن القرآن: {وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} (الفرقان: 52) ، ويقول في [ص: 21] من كتابه: (وتأمل في تسمية النهوض بهذا الواجب جهادًا كبيرًا لتعلم مركزه الكبير المتميز بين أنواع الجهاد) .

كما يقول في نفس الصفحة: (ومما يؤكد هذه الحقيقة ويزيدها وضوحًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" [23] ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى" [24] ... ) .

وأقول: أما الاستدلال بالآية الكريمة فلا جدال في أهمية الجهاد الدعوي واعتباره جهادًا كبيرًا، والآية لا تدل على أكثر من هذا، أي أنها لا تدل على أن الجهاد الدعوي أهم أنواع الجهاد.

ثم لو فرض؛ أنها دلت على ذلك فلا ضير؛ لأنها آية مكية ولم يكن ساعة نزولها قد فرض قتال، وقد كان الجهاد الدعوي حينذاك هو الجهاد المطلوب، وكلامنا إنما هو على ما انتهى إليه أمر الجهاد، وهو فرضية القتال بالسيف لإعلاء كلمة الله.

وأما استدلاله بالحديثين؛ فإن أحدهما في جهاد النفس - وهو حديث: (أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك ... إلخ) - وعليه فلا يدل على ما ذهب إليه المؤلف، إلا أن يقال؛ إن مقصوده أن جهاد النفس يحمل المرء على القيام بأعباء الدعوة وتحمل مشاقها، لكن هذا يمكن أن يقال في شأن القتال أيضًا؛ فيكون من جهاد المرء لنفسه أن يحملها على القتال في سبيل الله والصبر عليه.

وأما حديث: (أفضل الجهاد كلمة حق ... ) ؛ فهو الذي يفيد ظاهره تفضيل الجهاد القولي على ما عداه، ولكنه عند التحقيق لا يفيد المؤلف فيما ذهب إليه؛ وذلك أن الأحاديث التي تفضل بعض الأعمال على بعض تختلف باختلاف الأحوال التي قيلت فيها.

فعن أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) [25] .

وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني) [26] .

وفي حديث عائشة: (أنها قالت: يا رسول الله نري الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، ولكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور) [27] .

وفي حديث أبي سعيد الخدري: (قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقى الله ويدع الناس من شره) [28] .

ففي هذه الأحاديث اختلف جواب النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأل عن أفضل الأعمال تبعًا لاختلاف حال السائل أو ما يقتضيه المقام.

قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث ابن مسعود المذكور آنفًا: (ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال؛ أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن من آدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت"مِن"وهي مرادة) [29] .

وبهذا يعلم الجمع بين الأحاديث المختلفة في بيان أفضل الأعمال، ونفس الكلام يقال في الأحاديث المختلفة في بيان أفضل الجهاد؛

فإنه صلى الله عليه وسلم قال مرة: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) [30] .

وقال أخرى: (أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله عز وجل) [31] .

وقال جوابًا لمن سأله أي الجهاد أفضل: (من عُقر جواده وأُهريق دمه) [32] .

وقال لعائشة رضي الله عنها: (لكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور) [33] .

فقد قدم صلى الله عليه وسلم مرة جهاد النفس، ومرة جهاد السلطان الجائر بكلمة الحق، ومرة جهاد السيف، ومرة جعل الحج أفضل الجهاد وذلك بحسب الأحوال وما يقتضيه المقام.

لكن الأصل - كما أسلفنا - أن الجهاد بالمعنى القتالي هو أعلى أنواع الجهاد، وهو المقصود عند إطلاق كلمة الجهاد.

أمور ينبغي التنبيه عليها:

ويبقى بعد ذلك أمور ينبغي التنبيه عليها نجملها فيما يلي:

1)أن ما ذكرناه من تقديم المجاهد بنفسه وماله على المجاهد بلسانه؛ إنما هو في حق من كان الجهاد القتالي والدعوي في حقه من فروض الكفايات، فلا شك حينئذ في أفضلية جهاده بالقتال على جهاده باللسان.

وعليه؛ فلو افترضنا إنسانًا كان الجهاد الدعوي في حقه فرض عين، كأن لم يكن في محله من يصلح لذلك غيره، وكان الجهاد القتالي في حقه من فروض الكفايات، فإن مثل هذا الرجل لا يجوز له ترك جهاد الدعوة من أجل الجهاد القتالي؛ لأنه بذلك يكون تاركًا ما هو فرض عين لما هو فرض كفاية.

قال الحافظ في"الفتح"في شرح حديث أبي سعيد السابق ذكره: (وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه ثم حصَّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذ يظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى ولما فيه من النفع المتعدي) [34] .

2)أن تقديم الجهاد القتالي؛ إنما هو بحسب الظاهر، ولا يلزم من ذلك أن كل من جاهد بالقتال أعلى درجة وأكبر ثوابًا عند الله من غيره، فهذا أمر لا يعلمه إلا الله، وهو متعلق بالنيات وأعمال القلوب، التي لا يعلمها إلا علام الغيوب.

3)أنني ما كنت أود إثارة هذه القضية - التي أرجو أن لا يفهم البعض منها استهانتي بجهاد الدعوة وتقليلي من قيمته - ولولا أني وجدت المؤلف غفر الله له قد جاوز الحد في اهتمامه بجهاد الدعوة على حساب الجهاد القتالي؛ لما تعرضت لهذه النقطة.

4)أن من دوافعي لإثارة قضية الجهاد القتالي وأهميته؛ أننا نعلم أن من فقه الدعوة إلى الله أنه ينبغي على الداعية وطالب العلم أن ينظر في حال المسلمين، فيهتم بما يهملونه أو يجهلونه من أمور دينهم، فيذكرهم به ويعلمهم إياه.

وزماننا هذا زمان نسي أكثر المسلمين فيه الجهاد في سبيل الله بمعناه القتالي، وصار أعداء الله من اليهود والنصارى يتلاعبون بمصائر المسلمين، وصار حكام المسلمين يهرولون نحو عدو سلب المسلمين مقدساتهم وديارهم، زاعمين أنهم يصنعون سلامًا - وما هو بسلام، ولكنه ذلة واستسلام - والذي جر على المسلمين ذلك هو استخذاؤهم وتركهم للجهاد في سبيل الله.

أقول: ولما كان الأمر كذلك كان من أهم ما ينبغي على دعاة الإسلام أن يوقظوا في الأمة روح الجهاد، مبينين لهم فضل قتال أعداء الله عز وجل وأن في الجهاد القتالي عزهم وشرفهم، كما أنه ينبغي أن تبقى فكرة الجهاد مستقرة في ذهن المسلم حتى في زمن سقوطه عنه لعجزه وعدم قدرته، ليبقى مستعدًا للقيام بهذا الواجب عند تحصيله القدرة اللازمة له.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق) [35] .

[13] أخرجه الترمذي (2616) من حديث معاذ وقال حسن صحيح وأخرجه ابن ماجه (3973) بلفظ (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ الجهاد) وأخرجه الحاكم (2/ 76) وصححه.

[14] أخرجه مسلم (49) وأبو داود (1140) ، (4340) والترمذي (2172) وابن ماجه (1275) ، (4013) والنسائي (8/ 11 - 112) وأحمد (3/ 54) .

[15] الذخيرة (3/ 387) .

[16] الأربعون النووية ص: 111.

[17] جامع العلوم والحكم ص: 284.

[18] أخرجه البخاري (2786) ، (6494) ومسلم (1888) .

[19] انظر صحيح البخاري (6/ 6 - فتح) .

[20] فتح الباري (6/ 5) .

[21] الحديث سبق تخريجه.

[22] فتح الباري (6/ 5) .

[23] أخرجه بهذا اللفظ أحمد (3/ 19) والحاكم (4/ 505) من حديث أبي سعيد، وأخرجه أبو داود (4344) والترمذي (2174) وابن ماجه (4011) وأحمد (3/ 61) بلفظ كلمة عدل، وقال الترمذي"حسن غريب من هذا الوجه"والحديث مخرج في الصحيحة للألباني (491) .

[24] أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/ 249) من حديث أبي ذر وفي سنده ضعف، وعزاه المتقي الهندي في كنز العمال (11265) إلى الديلمي ولم أجده في مسند الفردوس المطبوع وأورده الألباني في الصحيحة (1496) وصححه بشاهد له.

[25] أخرجه البخاري (26) ، (1519) ومسلم (83) والترمذي (1658) والنسائي مختصرًا (8/ 93) .

[26] سبق تخريجه.

[27] أخرجه البخاري (1520) وبنحوه أخرجه النسائي (5/ 114) وابن ماجه (2901) .

[28] سبق تخريجه.

[29] فتح الباري (2/ 9) .

[30] سبق تخريجه.

[31] سبق تخريجه.

[32] أخرجه أحمد (4/ 114) وعبد الرزاق عن معمر في الجامع الملحق بالمصنف (20107) من حديث عمرو بن عبسة، والحديث أورده الهيثمي في المجمع (1/ 59) و (3/ 207) وقال:"رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح".

[33] سبق تخريجه.

[34] فتح الباري (6/ 6) .

[35] أخرجه مسلم (1910) وأبو داود (2502) والنسائي (6/ 8) من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت