يقول الدكتور البوطي في كتابه المشار إليه: (وكم في هؤلاء الناس من إذا ذُكر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وظفه للجهاد القتالي، ولم يفهم من كلمة الحق في الحديث إلا المعنى الزجري الباعث على التربص والمنازلة والقتال ... مع أن كلمة الحق هنا وفي هذا الحديث بالذات لا تحمل شيئًا من هذه الدلالة بل الحديث في مجمله يبرز أهمية الصمود بالكلمة اللينة أمام جور السلطان وزجره فظاهرة الزجر في هذا الحديث تنبعث احتمالاتها من طرف السلطان وبطشه لا من جهة القائم بحق الله في الصدع بكلمة الحق لينة صافية عن سائر الأحقاد والشوائب) [36] .
وأقول: أما أن الحديث ينبغي أن لا يفهم منه المعنى الزجري الباعث على القتال فحق، وإن كنت أشك في وجود من يفهم ذلك من الحديث، فإن الجماعات الجهادية التي تدعوا لقتال الحكام ومنازلتهم، لا تستدل على ذلك بهذا الحديث وإنما تستدل بأدلة أخرى - ليس مجالها الآن -
وأما أن الحديث يبرز أهمية الصمود بالكلمة اللينة أمام جور السلطان، وأن الزجر لا يأتي مطلقًا من طرف الداعية، بل من طرف الحاكم وحده، فهذا فيه نظر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: (كلمة لينة) ، بل قال: (كلمة حق) ، و؛ (كلمة عدل) ، والحق والعدل كما يكونان بلَيِّن الكلام يكونان أحيانًا بشديد الكلام، وقد يحتاج الداعية إلى شيء من الزجر يقتضيه المقام، فلا تثريب عليه إن هو لجأ إلى ذلك بعد أن يُقدر المصالح والمفاسد التي يمكن أن تترتب على فعله، وهذه هي الحكمة التي أمرنا الله باتباعها: اللين في وقت الاحتياج إليه والشدة وقت الاحتياج إليها.
قال ابن القيم في تعريف الحكمة: (فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) [37] .
ثم ما وجه اللوم على من فهم من الحديث؛ أن عليه أن يجاهد الحاكم الظالم بالكلمة اللينة في حال، وبالكلمة القاسية إن اقتضى المقام.
أقول: ما وجه اللوم على من فهم ذلك من الحديث إذا كانت الأحاديث الأخرى تعضد فهمه هذا وتؤازره؟
أَوَليس الرسول صلى الله عليه وسلم هو القائل: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [38] .
فقد دل هذا الحديث على أن جهاد الحكام الظلمة قد يكون باليد، وهذا أعلى من مجرد الزجر بالكلام الشديد.
قال ابن رجب الحنبلي: (جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان له قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز) [39] .
وفي حديث أبي سعيد الخدري: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة ... فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان - وهو أمير المدينة - في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، قال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم ... ) [40] .
فها هو أبو سعيد رضي الله عنه قد اشتد في إنكاره على مروان بن الحكم، حتى وصل به الأمر إلى الإنكار بيده حيث جبذه بثوبه.
قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: (وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان المنكَر عليه واليًا، وفيه أن الإنكار عليه يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزيء عن اليد اللسان مع إمكان اليد) [41] .
أقول: وعلى هذا الفهم مضى علماء الأمة الأثبات في تغيير منكرات الحكام؛ مرةً باللين ومرةً بالشدة ومرة بالقلب فقط، بحسب القدرة وقياس المصالح والمفاسد.
وأكتفي هنا بذكر أمثلة ثلاثة كان فيها النصح للحكام بشديد القول لا بلينه:
المثال الأول:
أما المثال الأول فهو موقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام مع سلطان مصر الملك الصالح أيوب؛ حيث ذكر الباجي عن شيخه العز بن عبد السلام؛ أنه طلع مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة، فشاهد العساكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة، وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه: (يا أيوب ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟) ، فقال: (هل جرى هذا؟) ، فقال: (نعم الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة) ، يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون فقال: (يا سيدي أنا ما عملته هذا من زمان أبي) ، فقال: (أنت من الذين يقولون {إنا وجدنا آباءنا على أمة} ) ، فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة.
قال الباجي: (سألت الشيخ لما عاد من عند السلطان وقد شاع هذا الخبر: يا سيدي كيف الحال؟ فقال: يا بني رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه لئلا تكبر نفسه فتؤذيه، فقلت يا سيدي: أما خفته؟ فقال: والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامي كالقط) [42] .
المثال الثاني:
وأما المثال الثاني فهو موقف شيخ الإسلام ابن تيمية مع سلطان مصر في زمن التتار، ففي سنة سبعمائة للهجرة قصد التتار بلاد الشام، وخرج سلطان مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى بلاد الشام للدفاع عنها، لكنه رجع قاصدًا مصر فخرج وراءه شيخ الإسلام ابن تيمية يستحثه على العودة إلى الشام، فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة وتفارط الحال.
قال ابن كثير: (ولكنه استحثهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة، وقال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن، ولم يزل بهم حتى جُردت العساكر إلى الشام، ثم قال لهم: لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسئولون عنهم؟!) [43] .
المثال الثالث:
وأما المثال الثالث فهو لشيخ الإسلام ابن تيمية مع الملك الناصر محمد بن قلاوون أيضًا، حيث حضر معه مجلسًا ضم الوزير ابن الخليلي وجمع من القضاة والعلماء.
وقد نقل ابن كثير وقائع ذلك المجلس عن القاضي جمال الدين بن القلانسي، وكان من روايته في ذلك: (وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبع مائة ألف في كل سنة زيادة على الحالية ... فلم يتكلم أحد من العلماء ولا القضاة فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك فلم يتكلم أحد، فجثا الشيخ تقي الدين على ركبتيه وتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ ورد على الوزير ما قاله ردًا عنيفًا وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويسكته بترفق وتؤدة، وبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله ولا بقريب منه، وبالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك ... ) [44] .
[36] الجهاد في الإسلام ص: 22.
[37] مدارج السالكين (2/ 479) .
[38] أخرجه مسلم (50) من حديث ابن مسعود.
[39] جامع العلوم والحكم ص: 282.
[40] أخرجه البخاري (956) ومسلم (889) والنسائي (3/ 187) وابن ماجه (1288) وأحمد (3/ 36، 54) وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم: (فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت له: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم ثلاث مرات ثم انصرفت) .
[41] شرح مسلم (3/ 445) .
[42] طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي (8/ 211 - 212) .
[43] البداية والنهاية (14/ 15 - 17) .
[44] المصدر السابق (14/ 56) .