الصفحة 12 من 23

ثانيًا؛ نقض استدلالات المؤلف في هذه المسألة

ذكر الكاتب في كتابه المذكور؛ أن دليل الجمهور على أن علة القتال هي درء الحرابة، آيات صريحة وأحاديث كثيرة، ثم ذكر بعض تلك الآيات والأحاديث، مبينًا أنها الحجة على أن موجب قتال المسلمين لغيرهم؛ هو العدوان الصادر منهم [133] .

وقد بينا لك من قبل أن نسبة هذا القول إلى جمهور العلماء نسبة باطلة، ومع ذلك فإننا نذكر هنا هذه الآيات والأحاديث مبينين - بحول الله وقوته - أنها لا تدل على ما ذهب إليه المؤلف.

فنقول، وبالله التوفيق:

1)استدل المؤلف بقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (البقرة: 190) .

وقد بينا لك من قبل أن الإجماع قد وقع على أن أمر الجهاد قد استقر على أنه يُبدأ الكفار بالقتال وإن لم يقاتلونا، وعلى ذلك فقد ذهب طائفة من السلف إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، بينما ذهب آخرون إلى أنها ليست منسوخة ولكن المقصود بها النهي عن قتل النساء والذراري ومن ليس من أهل القتال.

فقد قال الإمام الطبري: (اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فقال بعضهم؛ هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك، وقالوا؛ أُمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين والكف عمن كف عنهم ثم نسخت ببراءة) [134] .

ثم نقل رحمه الله ذلك القول بسنده عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ثم قال: (وقال آخرون؛ بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما الاعتداء الذي نهاهم عنه هو نهيه عن قتل النساء والذراري) [135] .

ثم نقل القول الثاني بسنده عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وابن عباس رضي الله عنهما، ثم رجح رحمه الله القول الثاني؛ لأن دعوى النسخ بغير دليل تحكُّم، والتحكم لا يعجز عنه أحد.

ثم قال رحمه الله: ( ... يقول لهم تعالى ذكره: وقاتلوا في طاعتي، وعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من ولى عنه واستكبر بالأيدي والألسن حتى ينيبوا إلى طاعتي أو يعطوكم الجزية صغارًا إن كانوا من أهل الكتاب، وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخول لهم إذا غُلب المقاتلون منهم فقهروا ... ) [136] .

أقول: فهذه أقوال السلف في هذه الآية، وهي لا تخرج عن أحد المعنيين اللذين أشار إليهما الطبري رحمه الله، ولا نعلم أحدًا من السلف قال بمثل ما قال به الكاتب من دلالة الآية على أنه لا يقاتل الكفار إلا إن ظهر منهم عدوان.

ثم إننا نقول للكاتب: هب أننا قلنا معك بأن هذه الآية تدل على أن قتال الكفار إنما يكون لدرء الحرابة، فإن معناها الظاهر حينئذ؛ أننا لا نقاتل إلا من قاتلنا فعلًا، فمن أين أتيت بنظرية ظهور قصد العدوان؟ فهل قالت الآية:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يبدو لكم منهم قصد العدوان"؟!

2)كما استدل الكاتب بقوله تعالى: {ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة} (التوبة: 13) .

والحق أن الاستدلال بهذه الآية استدلال عجيب وغريب؛ فأين في الآية أن علة قتال الكفار هي درء حرابتهم ودفع عدوانهم بالمعنى الذي قصده المؤلف؟!

إن الآية لا تدل إلا على تحضيض المؤمنين وإغرائهم بقتال المشركين الناكثين لأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، وذلك كله إنما هو تكملة للمعنى الوارد في الآيات قبلها، فإن الله عز وجل يقول: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} (التوبة: 7) ، إلى قوله: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} (التوبة 12 - 13) .

وهذه الآيات تتحدث عن المشركين الذين صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وتبين كيفية المعاملة معهم في حال استقامتهم على عهدهم أو في حال نقضهم للعهد.

يقول ابن كثير رحمه الله: (يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا، فقال تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد} ؛ أي أمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} ، يعني يوم الحديبية كما قال تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفًا أن يبلغ محله ... الآية} ، {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ؛ أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين، {فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} ، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون، استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ... إلخ) [137] .

فالآية الكريمة تتحدث عن أهل صلح الحديبية من المشركين، وكانت قريش قد نقضت العهد قبل ذلك، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في العام الثامن للهجرة، غير أنه بقي ممن كانوا في حلف قريش قبائل من بني بكر بن وائل لم ينقضوا العهد -كذا قال ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (4/ 189) -

فكانت هذه الآية فيمن بقي على عهده من المشركين حتى نزول سورة براءة، مبينة أنه إن استقام لكم هؤلاء فاستقيموا لهم على العهد مدة السنوات العشر المتفق عليها، وتمضي الآيات في بيان صفات الكافرين من أنهم لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة، وغير ذلك، إلى أن يقول عز وجل: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} ، وذلك أن الآية السابقة قد بينت الحكم فيما لو استقام هؤلاء على عهدهم ولم ينقضوه، فجاءت هذه الآية الثانية عشرة لتبين الحكم فيما لو نقضوا عهدهم وهو أن يُقاتلوا.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (يقول تعالى: وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم أي عهودهم ومواثيقهم، {وطعنوا في دينكم} ؛ أي عابوه وانتقصوه ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات الله وسلامه عليه أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص، ولهذا قال: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} ؛ أي يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال) [138] .

ثم بعد بيان هذا الحكم أراد الله أن يحض المؤمنين على قتال هؤلاء الكفار الناكثين للعهد فقال: {ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة ... الآية} ، فذكرهم سبحانه بأن هؤلاء الناكثين للعهد هم الذين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، وهم الذين بدؤوا المسلمين بالقتال أول مرة.

وفي تفسير قوله: {أول مرة} ، قال ابن كثير رحمه الله: (قيل المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجوههم طلبًا للقتال بغيًا وتكبرًا، كما تقدم بسط ذلك، وقيل المراد نقضهم العهد، وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وكان ما كان، ولله الحمد والمنة) [139] .

فتبين من ذلك معنى الآية الكريمة وأنها مجرد تحريض على قتال هؤلاء الكافرين، وأنه ليس فيها اشتراط العدوان منهم.

وأقصى ما يمكن أن يقال في الآية الكريمة؛ إنها في سبيل ترغيب المؤمنين في قتال هؤلاء الكفار ذكرت بعضًا من مساوئهم، كنقض العهود والهم بإخراج الرسول، وأنهم قد بدؤوا المسلمين قبل ذلك بالعدوان، لكن ليس فيها أن ذلك هو علة قتالهم، ولا أنهم لا يقاتلون إلا إذا كانت فيهم تلك الصفات بخلاف آية السيف التي أمرت بقتل المشركين، وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (قاتلوا من كفر بالله) ، حيث جُعل القتال مترتبًا على وصف الكفر فيهم كما سبق بيانه، والله أعلم

3)واستدل الكاتب أيضًا بقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} (الممتحنة: 8 - 9) .

وأقول: ليس في الآيتين الكريمتين ذكر قتالنا للكفار أصلًا حتى يقال إنهما تدلان على أن قتال الكفار لدرء الحرابة، إنما تتحدث الآية الأولى عن جواز الإحسان والعدل مع من لم يقاتلنا من الكفار، وتتحدث الآية الثانية عن النهي عن موالاة المحاربين منهم.

وقد ظن بعض السلف أن جواز البر والإقساط يتنافى مع الأمر بقتالهم فذهب إلى أن الآية منسوخة، وهو قول قتادة كما في أحكام القرآن للجصاص [140] .

وذهب الجصاص إلى أنها خاصة بأهل الذمة، حيث قال: (وقوله؛ {أن تبروهم وتقسطوا إليهم} ، عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة إذ ليس هم من أهل قتالنا، وفيه النهي عن الصدقة لأهل الحرب لقوله؛ {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} ... ) [141] .

قال ابن كثير في تفسيره: (أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم) [142] .

وهذا مصير منه إلى أن المقصود بذلك من ليس من أهل القتال.

وقد رجح الإمام الطبري أن الآية ليست بمنسوخة ولا مخصوصة بطائفة معينة، حيث قال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بذلك {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} ، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم، إن الله عز وجل عم بقوله: {الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم} ؛ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال؛ ذلك منسوخ لأن بر المؤمنين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح) [143] .

وبناءً على ما تقدم من أقوال أهل العلم، وبعد مراجعة عدة من كتب التفسير وغيرها، فإننا نستطيع أن نقرر ما يلي:

أولًا: لا نعلم أحدًا من السلف استدل بهذا النص الكريم على ما ذهب إليه المؤلف من أن علة قتال الكفار هي درء الحرابة وليس الكفر.

ثانيًا: أن غاية ما تدل عليه الآية الأولى أن الله عز وجل لا ينهانا عن البر والعدل مع من لم يعتد علينا من الكافرين، لكن الآية لم تتعرض لعدم قتالهم، وليس الإحسان إليهم منافيًا للأمر بقتالهم فنحن نحسن إليهم ونَعْدل فيهم قبل قتالهم، ثم إذا أردنا قتالهم فإننا نحسن إليهم ونعدل فيهم أيضًا؛ بأن ندعوهم قبل القتال، فإذا قاتلناهم فعلًا فإننا نحسن إليهم ونعدل في أثناء القتال، فلا نمثل ولا نقتل النساء ولا الذراري إلى غير ذلك مما هو معروف من آداب الحرب في الإسلام، فإذا انتهت الحرب بنصر الله لعباده المسلمين فالإحسان وارد أيضًا بإمكانية المن على الأسرى وإطلاق سراحهم أو معاملتهم بالعدل من الفداء ونحوه.

وبهذا يعلم أن الأمر بالعدل والإحسان لا ينافي الأمر بقتالهم، وعليه فالصواب - والله أعلم - ما رجحه الطبري من عدم نسخ الآية وعدم تخصيصها، كما أنه ليس في الآية دليل على ما ذهب إليه المصنف من أن علة القتال هي درء الحرابة.

ثالثًا: أن المتأمل في الآيتين الكريمتين يجدهما تتحدثان عن قسمين متغايرين من الكافرين، غير أننا لا نجد في الآيتين حكمين متغايرين لهذين الفريقين من الكفار؛ ذلك أن الآية الأولى أباحت البر والإقساط إلى الفريق الأول، لكن الآية الثانية لم تنه عن البر والإقساط إلى الفريق الثاني، بل نهت فقط عن موالاته، هذا مع كون الموالاة منقطعة عن الفريق الأول أيضًا لعموم النصوص الناهية عن موالاة الكافرين.

والمقصود من ذلك؛ أن نقرر أن البر والإقساط ليسا جائزين في حق غير المحاربين فقط، بل حتى في حق المحاربين، ودليلنا في ذلك؛ أن الآية الثانية التي نهت عن موالاة المحاربين لم تنه عن البر والإقساط إليهم، بل إن هناك نصوصًا أخرى تبين جواز ذلك في حقهم.

وقد نبَّه إلى ذلك الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي فقال في كتاب"أحكام القرآن"الذي جمعه البيهقي من منثور أقواله رحمه الله: (وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين، وذلك أنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم ولم يحرم ذلك إلى من أظهر عليهم بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فنهاهم عن ولايتهم، وكان الولاية غير البر والإقساط، وكان النبي صلى الله عليه وسلم فادى بعض أسارى بدر، وقد كان أبو عزة الجمحي ممن مَنَّ عليه وقد كان معروفًا بعداوته والتأليب عليه بنفسه ولسانه، ومَنَّ بعد بدر على ثمامة بن أثال وكان معروفًا بعداوته وأمر بقتله ثم مَنَّ عليه بعد أسره، وأسلم ثمامة وحبس الميرة عن أهل مكة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن له أن يميرهم فأذن له فمارهم، وقال الله عز وجل: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا} ؛ والأسرى يكونون ممن حاد الله ورسوله) [144] .

فهذا الكلام من الإمام الشافعي رحمه الله يدل على أن جواز البر والإقساط ليس خاصًا بمن لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا، ومثله ما سبق نقله عن الطبري رحمه الله قبل قليل.

والمقصود من إثبات ذلك؛ أننا نقول للمؤلف ومن على شاكلته؛ إنكم اعتمدتم في قولكم هذا على كون الآية الأولى قد بينت جواز البر والإقساط إلى هؤلاء الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم، فبنيتم على جواز البر والإقساط إليهم أنهم لا يقاتلون، ولكن هذا البر والإقساط ليس مقصورًا على هؤلاء المسالمين، بل إن المحاربين أيضًا يجوز في حقهم ذلك، فما حكم قتال هؤلاء المحاربين؟ هل نفهم من جواز برهم أنه لا يُرد عدوانهم ولا يقاتلون؟ أم ماذا أنتم قائلون؟!

4)ثم يستدل المؤلف بقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} (التوبة: 36) ، ويقول: (وواضح أن الكاف في قوله(كما) للتعليل) [145] .

قلت: هذا الذي قال إنه واضح ليس بواضح وليس في الآية ما يشير إلى التعليل من قريب أو بعيد، والكاف في أصلها للتشبيه.

وهذا القول الحكيم هو كما يقول ابن كثير: (من باب التهييج والتحضيض؛ أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضًا لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يفعلون) [146] .

وإذن فالحديث هنا عن حال المسلمين في القتال، وأنها يجب أن تكون كحال الكفار في تحزبهم واجتماعهم، لأن قوله: {كافةً} ؛ حال، فكما أنهم حال قتالنا يجتمعون ويتحزبون فكذلك يجب أن تكون حالنا عند قتالهم.

ومن العجيب أن المؤلف لما قال: (إن من الواضح أن الكاف للتعليل) ، ذكر في هامش الصفحة مصدره في ذلك فقال: (انظر تفسير القرطبي: 8/ 136) .

وأقول: قد نظرت الموضع المشار إليه في تفسير القرطبي فلم أجد أدنى إشارة إلى هذا التعليل، وأنا أنقل هنا كلام القرطبي كاملًا حتى يعلم القاريء صدق ما أقول.

فقد قال رحمه الله: (قوله تعالى: {قاتلوا} ، أمر بالقتال وكافة معناها جميعًا وهو مصدر في موضع الحال أي محيطين بهم ومجتمعين، قال الزجاج: مثل هذا من المصادر عافاه الله عافيةً وعاقبه عاقبةً، ولا يثنى ولا يجمع، وكذا عامة وخاصة، قال بعض العلماء: كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك وجعل فرض كفاية، قال ابن عطية: وهذا الذي قاله لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأمة جميعًا بالنفر، وإنما معنى هذه الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم، وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله: {كما يقاتلونكم كافة} ، فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم، والله أعلم) [147] .

فهذا الذي نقله القرطبي عن ابن عطية ليس فيه إلا أن قوله {كافة} لا يفيدُ أن الجهاد فرض عين على المسلمين كافة، إنما الفرض هو أن نحشد لهم جمعًا يتناسب مع حشدهم لنا، فأين القول بالتعليل في هذا؟

على أننا لو سايرنا المؤلف فيما ذهب إليه - من أن الكاف للتعليل - فلن نجد في الآية ما يسعفه، إذ أن التعليل حينئذ سيكون للاجتماع لا لأصل القتال؛ لأن المعنى سيكون حينئذ عليكم بالاجتماع لقتالهم لأنهم يجتمعون لقتالكم، فتكون علة اجتماعنا هي اجتماعهم، ولا يصلح أن يكون المعنى عليكم بقتالهم لأنهم يقاتلونكم؛ إذ لو كان هذا هو المعنى لما كان لقوله: {كافة} في الحالتين معنى.

ومما يدل على بطلان قول المؤلف أيضًا أنه ينسب إلى الجمهور - الحنفية والمالكية والحنابلة - أنهم قد استدلوا بهذه الآية على أن علة القتال هي درء الحرابة وليس الكفر، وليس الأمر كذلك، بل إن منهم من استدل بالآية على أن علة القتال هي الكفر - كما نقلناه من قبل عن القرافي - كما استدل بها الكمال بن الهمام على أن القتال يكون لمن بحيث يحارب أي من كان من أهل القتال وإن لم يقاتل حقيقة ولا حكمًا.

5)وأخيرًا؛ فقد استدل المؤلف بالأحاديث الواردة في النهي عن قتل النساء والذرية، وقال: (ومناط الاستشهاد في هذه الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مقاتلة غير الذين يواجهون المسلمين بالعدوان والقتال، وإن كانوا كافرين، ألا ترى إلى قوله عن المرأة التي وجدت مقتولة:"ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل"، أي ففيم قُتلت إذن؟) [148] .

أقول: ليس في هذه الأحاديث إلا استثناء بعض الأصناف من الأمر بالقتال، فالذي قال: (قاتلوا من كفر بالله) ، هو نفسه الذي خص ذلك الأمر العام بمن دون النساء والأطفال، ثم بعد ذلك من لحظ من العلماء أن النهي عن قتل النساء والصبيان، إنما هو لعدم كونهم من أهل القتال ألحق بهذا النهي كل من لم يكن من أهل القتال كالمرضى والشيوخ والرهبان ونحوهم، ولذلك تجدهم يقولون؛ إن من يُقاتلون هم من"يُطيقون القتال"، أو"من بحيث يحارب"، ومن لم يلحظ هذا الملحظ وقف عند استثناء ما ورد به النص أي النساء والصبيان، فالذين يقاتلون هم كل الكفار ما عدا النساء والصبيان، أو كل من كان مطيقًا للقتال من الكفار.

وعلى ذلك فيمكن أن يقال؛ إن العلة المقتضية للقتال هي الكفر مع شرط كونه من أهل القتال، لا من غيرهم - كما سبق نقله عن الشيخ ابن باز - أو أن يقال؛ إن العلة هي إطاقة القتال - كما ذكره ابن رشد عن بعض العلماء -

ولكن ذلك كله إنما يفيد في بيان ما يجوز من النكاية في العدو، لا ما يقصده الكاتب من كون معنى ذلك أنه لا يقاتل إلا من بدأَنا بالعدوان أو ظهر منه قصد العدوان، فهذا لا دليل عليه، والنهي عن قتل النساء والصبيان ومن شابههم لا يدل على ذلك.

بل إنَّ في هذه القضية بالذات ما يدل على نقيض ما أراده المؤلف؛ وذلك أن العلماء مجمعون على أن هذه الأصناف المستثناة لا تُقاتَل إلا إن باشرت القتال أو أعانت عليه، ومعنى ذلك أن غير هذه الأصناف يقاتلون سواء باشروا القتال فعلًا أو حكمًا أو لم يباشروا، وإلا لم يكن للتفريق بين هؤلاء وأولئك معنى.

فإذا كان المؤلف يرى أن الكل لا يُقاتَل إلا إن قَاتَل أو بدا منه قصد العدوان، فما وجه تخصيص المرأة والطفل ونحوهما بعدم المقاتلة إلا إن وقع منهم قتال حقيقة أو حكمًا؟ أَوَ ليس هذا التخصيص دالًا على أن غيرهم يُقاتلون سواء قاتلوا أولم يُقاتلوا؟

ولذلك قال الكاساني: (والأصل فيه أن كل من كان من أهل القتال يحل قتله سواء قاتل أو لم يقاتل، وكل من لم يكن من أهل القتال لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك ... ولو قُتِل واحد ممن ذكرنا أنه لا يحل قتله فلا شيء فيه من دية ولا كفارة إلا التوبة والاستغفار، لأن دم الكافر لا يتقوم إلا بالأمان، ولم يوجد) [149] .

هذا وقد رد القاضي أبو بكر بن العربي على هذه الشبهة متلمسًا الحكمة التي قصدها الشارع من النهي عن قتل النساء والصبيان، فقال: (فإن قيل لو كان المبيح للقتل هو الكفر لقُتل كل كافر، وأنت تترك منهم النساء والرهبان، ومن تقدم ذكره معهم فالجواب: أنا إنما تركناهم مع قيام المبيح بهم، لأجل ما عارض الأمر من منفعة أو مصلحة، أما المنفعة؛ فالاسترقاق فيمن يسترق، فيكون مالًا وخدمًا، وهي الغنيمة التي أحلها الله لنا من بين الأمم، وأما المصلحة؛ فإن في استبقاء الرهبان باعثًا على تخلي رجالهم عن القتال فيضعف حربهم ويقل حزبهم، فينتشر الاستيلاء عليهم) [150] .

[133] انظر الجهاد في الإسلام ص: 94 - 96.

[134] تفسير الطبري (3/ 561) .

[135] المصدر السابق (3/ 562) .

[136] المصدر السابق (3/ 563 - 564) .

[137] تفسير القرآن العظيم (2/ 338) .

[138] تفسير القرآن العظيم: (2/ 339 - 340)

[139] المصدر السابق (2/ 340) .

[140] انظر أحكام القرآن للجصاص (3/ 437) .

[141] المصدر السابق (3/ 436 - 437) .

[142] تفسير القرآن العظيم (4/ 350) .

[143] جامع البيان للطبري (12/ 43) ط دار المعرفة بيروت 1407ه (مصورة عن طبعة بولاق 1329 هـ) .

[144] أحكام القرآن (2/ 193 - 194) .

[145] الجهاد في الإسلام ص 95

[146] تفسير القرآن العظيم (2/ 357)

[147] تفسير القرطبي (8/ 136) .

[148] الجهاد في الإسلام ص: 96.

[149] بدائع الصنائع (9/ 4308) .

[150] أحكام القرآن (1/ 109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت