ومن هنا فإنّ النّاس سيحترمون الجهاد في الجزائر لا لقوّة أدلَّته الشّرعيّة، ولا لكونه حقًّا يعدل النّاس إليه، بل حين يصل إلى درجةٍ من الدّعاية العالية أو النَّصر المرتقب، وحينها -صدّقوني- حتى محفوظ النّحناح سيكون أمره عند نفسه وعند أصحابه بأنّه هو الذي فجّر الجهاد في الجزائر، وهو أبوه من دون بقيّة النّاس، فعلى الإخوة الأحبّة الذين يشفقون على هذا الجهاد من قلّة ناصريه أن لا يهتمّوا بهذه القضيّة كثيرًا، وإلاّ فكم عدد الذين جلستم معهم من المخالفين له ثمّ بيّنتم لهم وجه الحق في هذا الجهاد فاقتنعوا به وآزروه؟.
أظنّ أنّ العدد مخجلٌ ولا شكّ.
أمّا ما يخصّ البُعد الشّرعي لهذه النّظرة فهي أوّلًا رضيت لنفسها أن تسلك سبيل السّلف، وأن تجري على خطاهم وسننهم، وتكشف النّاس والأعلام بما فيهم من حقٍّ وصواب، وبما فيهم من خطأ وغيره، أمرٌ قام به الأسلاف الذين أوصلوا لنا هذا الدّين نقيًّا سليمًا.
وممّا ينبغي الوقوف عنده هو أنّ هذه النّظرة لا تتدخّل في خصوصيّات المرء، وهو الشيء الذي يحب المرء أن يستره من نفسه، فحيث رضي المسلم أن لا يكشف شيئًا من الأمور فنحن نعينه على ذلك، ونقف منه حيث وقف من نفسه، وإنّما تتعامل هذه النّظرة مع ما يُظهر المرء، وخاصّة ما يتعلّق بهذا الدين، ففكر المرء وعقيدته وفهمه وتصوّره هو ملك لنفسه وذاته وحده، حتّى إذا دعا النّاس إليه وأخرجه للملأ فحينئذٍ صار مُلكًا للآخرين، لهم الحقّ أن يقبلوه أو يردّوه، ولهم الحقّ أن يُناقشوه، وحينها فلا يُقال للمناقش والباحث: أنت تتدخَّل في الخصوصيات، أو كما يُقال من بعض الإخوة: هلّا تركتم ذكر الأسماء، واكتفيتم بالقول:"ما بال أقوام"... فنقول إنّنا نقول ما بال أقوامٍ حين يكون الأمر يخُصّهم وحدهم، والخِطاب متوجِّه إليهم حتى يستفيدوا منه، إذ لا حاجة للآخرين بأن يعرفوا مَن هو المقصود، أمّا حين يكون الأمر -كما هو في هذا الحال- أمرُ فكرٍ وتصوّر، ثمّ حمَلَه صاحِبُه ودعا النّاس إليه، وشهَرَه بين الناس، ثمّ صار هذا القائل مع قوله فِتنة للنّاس يتّبعونه ويقلدونه، فالواجب هو -فيما أعتقد- هو أن نفعل ما فعلناه، هذا مع علمي أنّ واقع العمل الإسلامي مليء بالمثالب والنقائص ومن أعظمها الغيبة والنميمة، والكيد للآخرين، إلاّ أنّ الجميع والأغلب يراوغ حين يُطلب منه إثباتُ ما يقول ويهذي.
لقد سُئِل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-:"الرجل يصوم ويصلِّي ويعتكف أحبّ إليك، أو يتكلَّم في أهل البدع؟. فقال: إذا صام وصلّى واعتكف فإنّما هو لنفسه، وإذا تكلّم في أهل البدع فإنّما هو للمسلمين، هذا أفضل" (مجموع الفتاوى لابن تيمية) ، وقد عدّ بعض العبّاد قديمًا علم الجرح والتّعديل غيبة أو أنّه يقسّي القلوب، فلو أنّ الرجال العظماء من أهل الحديث استجابوا لهؤلاء، أصحاب القلوب الطيّبة والعاطفة الجيّاشة، لكنّها البعيدة عن قِيَم العقل والعِلم، فماذا ستكون النّتيجة؟ إنها حينئذٍ الطّامّة الكبرى، وسيضيع علم الحديث، ولا يبقى للمسلمين قدرة في تمييز الصّحيح من الضعيف في الحديث.
وممّا أشار إليه البعض أنّ إعمال قواعد الجرح في هذا الزّمان خطأ فادح، ولا أدري وجه قوله، ولكنّي لم أناقش الآخرين في ضبطهم وقوّة حفظهم، وإنّما كان بحثي في فهم هؤلاء القوم لتوحيديْ الشرع والقَدَر، ثمّ لفهمهم قتال طوائف الردّة التي غلبت على المجتمعات، فلا يُقال حينئذٍ: لماذا لم تذكر فضل الرّجُل: أنّه من حفظةِ كتاب الله، أو أنّه يُتقِن فنّ التّجويد؟ فهذا أمرٌ لم أجمع هذه الورقات من أجله، ولا لأستوعب حال الرّجل من جميع جوانبه، فهي دراسة لا أستطيعها، وإن استطعتها فليس هذا موطنها في مثل هذه النّشرة، فكان أمر ما يُكتب هو كأمر العلامة والدلالة التي تبيّن عمّا تحتها.
قال بعضهم: إنّ في هذا الفعل إسقاط للرّموز، وهذه الرّموز هي رموزٌ حقيقيّة، وليست مزيَّفة.