الصفحة 37 من 52

كنت أظنّ زمنًا أنّ هذا الرجل يمثّل النموذج الصارخ في فقه الهزيمة، أو كما يعبّر هو عنها بفقه الاستضعاف.

وهذا الظنّ يعني أن الرّجل يفهم الإسلام كما هو، ولكن للظرف الاستثنائي الذي يعيشه الإسلام وأهله فإنه يجعل المسلم المعاصر يفرز فقهًا جديدًا يلائم هذا الواقع. وهو فقه على الجملة موجود في داخل الإسلام ومفاهيمه، فمن الأمثلة الدالّة على هذا الفقه، موضوع الجهاد، فلو أنّ المسلمين غُزو من قبل الأعداء لكان الواجب عليهم ابتداءً هو دفعهم وقتالهم، ولكن لو أن المسلمين أيقنوا أنّهم لا يستطيعون دفعًا ولا منعًا فلا بأس -من باب الجواز- أن يصالحوهم ويسالموهم، فالقتال هو الأصل، والصلح هو الاستثناء، وأنا ضربت هنا مثلًا بجهاد الدفع لاتّفاق النّاس عليه، ولم أضرب مثلا بجهاد الطلب الذي يُنكره الكثير من المشايخ والمفكرين في هذا العصر.

فراشد الغنوشي يكرّر دائما أن هذا الفقه الذي يطرحه هو فقه الاستثناء أو فقه الاستضعاف، وقد أشار إلى ذلك صريحًا في محاضرته التي سجّلها في آخر كتابه"الحريّات العامّة في الدولة الإسلامية"كملحق رقم (7) بعنوان:"مبدأ مشاركة الإسلاميين في حكم غير إسلامي".

قلت: كنت أظنّ أنّ هذا الرجل يفهم الإسلام كما هو، ولكنّه يتعامل مع الواقع بما يلائمه من فقه وأحكام، حتّى طلب منّي بعض الإخوة: أن أكتب عنه في هذه الصفحات، كرجل له وجود على السّاحة الإسلامية وهو قريب الصّلة بالوضع في الجزائر، فكان لا بدّ من القراءة الجديدة، أي أن أقرأ راشد الغنّوشي في فهمه للإسلام كما هو، وأن أقرأ أهداف راشد النّهائية بعد أن يصل إلى أن يكون عزيزًا لا مستضعفًا، فتبيّن لي أمر أذكره هنا في هذه المقدمة وسيكتشفه القارئ معي بعد الانتهاء من قراءة هذه الأوراق والتي تتبعها في الأعداد القادمة -إن شاء الله تعالى- هذه النتيجة هي أن راشد الغنّوشي بكلّ صراحة ووضوح لا يمثّل الرجل السنّي في فهمه لدين الله تعالى، فهو: رجل بدعي العقيدة، منحرف الفهم، وبدعته تصل إلى البدعة المكفّرة.

على كلّ حال: لا تستعجل أخي القارئ، فلا بدّ من التريّث حتى تنتهي معي إلى النهاية، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن موضوع التبديع والتكفير هو حقٌّ من حقوق الله تعالى، وليس هو حق بشري يمكن للمرء أن يساوم عليه، أو أن يتنازل عنه، وأقول هذا الكلام، لأنّي وجدت أناسًا ينتسبون للسنّة والحديث، ثمّ هم حين يُذكر لهم أن هذا الرجل كافر أو مبتدع فإنهم يقلبون الأمر معك على وجه من وجوه سعر البضائع، وكأنّك في محفل مماكسة لا في مجلس علم.

ثمّ إنّ البعض يظنّ أنّ الرجل بمجرّد انتسابه إلى جماعةٍ مسلمة، أو إلى العمل الإسلامي فإنّه لا يحقّ لأحد أن يبدّعه أو يكفّره، وكأنّ هذا الانتساب مانع من موانع التبديع والتكفير.

وبعضهم يرى أن ما هو معروض على السّاحة إنّما هي وجهات نظر، وكلٌّ له دليله، فلا ينبغي أن يدّعي أحدٌ مُلك الحقيقة وكأنّ هو الإسلام، فإذا قلت لهذا الرجل: هذا أمرٌ بدعي أو خطأ، قال لك: هذه وجهة نظرك، وليست هي أحكام الشّرع كما هي في نفسها.

وبعيدًا عن مناقشة هؤلاء القوم من وجهة نظرٍ أصولية، إلا أنّ هذا الباب هو الذي فتح لكل مدَّع أن يتكلّم في دين الله تعالى كما يريد، حتّى لو أدّى الأمر به أن يفسر الإسلام تفسيرًا كُفريًّا ظاهر الكفر والضلال، والأمثلة في هذا الأمر كثيرة، ولعلّ أصرخ مثال هو ما يفعله فهمي هويدي الكاتب المصري وبلديّه محمد عمارة، فإن هذا الثّاني يدعو إلى إحياء فكر المعتزلة كما يصرّح، لكنّ الأطمّ عنده أنّه يحاول أن يفسّر الإسلام تفسيرًا مادّيًا تصل به إلى تفسير الشيوعيين والماركسيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت