الصفحة 38 من 52

ولعل من شعور الهزيمة عند المسلم المعاصر أنّه بمجرّد أن يرى رجلًا يرفع شعار الإسلام فإنّه يواليه ويحبّه ويدافع عنه بغضّ النظر عن نوع هذا الإسلام الذي يدعو إليه، فمثلًا روجيه جارودي (رجا جارودي) فإن المحافل والجماعات الإسلامية لا تستنكف أبدًا في دعوته ليحدثّهم عن الإسلام، أو ليتحدّث باسم الإسلام، بالرّغم أنّ رجا جارودي هذا لم يُسلم أبدًا لا في تصوّره للألوهيّة ولا في فهمه للشريعة، فهو دخل الإسلام على مذهب وحدة الوجود، إذ يصرّح في كتابه"وعود الإسلام"أنّه لا فرق بين الخالق والمخلوق، فهو آمن بالمذهب الصّوفي الغنوصي تحت شعار الإسلام، وعلى ذلك فهو لا يرى خطأ في النظرية الاشتراكية سوى أنّها ترتكز على قاعدة عقائدية باطلة، وليست هي خطأ في السّلوك والعمل.

ولا أريد أن استطرد بالأمثلة فهي كثيرة جدًا، وكلّها تدعونا إلى أن نبتعد عن ترديد الشعارات كالببّغاوات، لأنه للأسف صار المسلم المعاصر أسيرًا للشّعار من غير إدراكه للمضامين والمفاهيم، فبمجرد رفع شعار الإسلام ترى السذّج من المسلمين -التنظيمات والشيوخ والقواعد- تتحرّك نحو هذا الشّعار من غير فهمٍ ولا تمييز، ولعلّ تجربة المسلمين مع الطّغاة هي أكبر دليلٍ على ما نقول، فالسعوديّة ترفع شعار التّوحيد والعقيدة الصحيحة، وصدّام يرفع شعار"الله أكبر"، والقذّافي يرفع شعار الثورة الإسلامية، والخميني كذلك، وهكذا، وكلّها تحمل مضامين الشرك والكفر، فمتى يصحو المسلمون من غفلتهم؟ نرجو أن يكون ذلك قريبا.

عودة إلى راشد الغنوشي:

لعلّ من التنبيه المتكرّر وغير الممل، هو أن الحكم على الرجل بأنّه سنّي أو بدعي هو في فهمه لتوحيديْ الشّرع والقدر، وبكونه أرائتيًّا أو سنّيًّا باتّباعه للسنّة والحديث.

وفهم راشد لتوحيد القدر هو فهم منتكس باطل، ففي كتيّبه الذي يحمل عنوان:"القضاء والقدر عند ابن تيمية"، يصرّح الرجل أن فهم المعتزلة لتوحيد القدر هو الفهم الصحيح السليم، وأن ابن تيمية وقبله الحفيد ابن رشد ما هما إلا محاولات مستنيرة لإحياء فكر المعتزلة، الفكر الإنساني السّامق، في فهمه لتوحيد القدر.

وقبل أن نغادر من هذه النقطة فإنّه من المهمّ التنبيه إلى الأمر الآتي وهو أنّ عامّة الباحثين قديمًا وحديثًا حين يدرسون عقائد المسلمين في مفهوم الحريّة -القضاء والقدر- فإنّهم يظنّون أنّه لا يوجد لأهل السنّة إلا قولٌ واحدٌ وهو مفهوم الأشاعرة للقضاء والقدر، والأشاعرة في الحقيقة هم جبرية في هذا الباب، إذ أنّهم يقولون بمذهب الكسب، وهو يعني عندهم الاعتراف بوجود إرادة للحيوان في فعله وحركته، ولكن هذه الإرادة لا قيمة لها، وإنّما هي دليل على وجود الثّواب والعقاب الإلهي للإنسان، والاعتراف بوجود إرادة بشريّة لكنّها غير مؤثّرة هي التي جعلت هذا المذهب ظاهره الكسب وباطنه الجبر، وصار هذا المذهب علمًا على عدم الفهم والوضوح حتى قال الشّاعر:

ممّا يُقال ولا حقيقة عنده ** معقولة تدنو من الأفهام

الكسب عند الأشعري والحال ** عند البهشمي وطفرة النظام

فحين يظنّ الباحث أنّ مذهب أهل السنّة هو مذهب الأشاعرة -أي الكسب- وهو في الحقيقة عين مذهب الجبرية -التي تنفي وجود إرادةٍ للإنسان من الأصل- فإنّه حين يقارن هذا المذهب -الأشاعرة- بمذهب المعتزلة، ومذهبهم في هذا الباب يقوم على إثبات إرادة للإنسان -وهذا حقّ- ولكنّهم ينفون الإرادة الإلهية القدريّة ولا يرون إلا الإرادة الشرعية، وقد جمع الله الحقّين -الإرادتين- معًا في قوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} .

أقول حين يقارن الباحث مذهب المعتزلة بمذهب الأشاعرة فإنّ العاقل ولا شكّ لابدّ أن ينحاز إلى مذهب المعتزلة، أقول هذا حين لا يكون للإنسان خيارٌ ثالث وهو خيار الحقّ، وهو إثبات إرادة بشريّة حقيقيّة ولكنّها مخلوقة لله، ولا تنشأ إلا بمشيئة الله تعالى وإرادته.

وراشد وقع في هذا الخيار الباطل: إما المعتزلة أو الأشاعرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت