من نافلة القول أن نذكّر الإخوة أن الشيخ الألباني هو، حيث بارك الله تعالى بجهوده في خدمة السنّة المظفّرة، فانتشر بين طلبة العلم منهج النّقد في علم الحديث، وتوقّف المسلم عن الجرأة على سوق الأحاديث على هناتها دون تمحيص أو مراجعة، ثمّ حصل من الخير ما يلاحظ من تسهيل نوال السنة النبوية بين يدي المسلمين عامّة وخاصة، حيث قُرِّبت السنة ومصادرها، فصار التّعامل مع كتب الحديث النبوي مباشرة، فذهبت تلك العصور التي كان يُنظر فيها إلى كتب الحديث أنها كتب السّر، أو ما يسمّى بكتب البركة، لا تخرج من مكانها إلا من أجل قراءة طلب الأجر، لا من أجل العلم والعمل والإتّباع، كل هذه الثّمرات وغيرها مثل محاربة التقليد والتّعصّب المذهبيّ، كان للشيخ ناصر الألباني اليد الطولى في نشره وبثّه، وهذا يستدعي منّا أن ندعو له في خلواتنا، وأن نشكر له فضله بألسنتنا وقلوبنا. فجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء. ولا يشكر الله من لم يشكر الناس.
والشيخ ناصر الألباني من خيار الناس في هذا الزمان. ولمّا كان الشيخ ناصر من العلماء، ومن أهل السنّة، بل من مقدّميهم، وكان ممّن ينظر إليه ليُقتدى به، كان من الواجب على من عرف مزالق الشيخ، أو وقع له على أخطاء يخاف منها أن تصبح دينًا يُتّبع، أو منهجًا يُسلك أن ينبّه عليها، أو يَكشف عنها أداء لأمانة التّبليغ، وقيامًا بحقّ هذا الدين على كل مسلم، وليس هذا من كشف العورات، ولا من فضح المخبوء، لا والله، بل هو من واجب البيان الذي أمر الله تعالى به، وهو دلالة صحة في هذه الأمة، وعندما يأتي الوقت (ونحن نعيش فيه) الذي يصبح فيه الأشخاص أوثانًا، فيَحرُم الاقتراب منه، وعندما يقدَّس الرجال على حساب الفكرة، فحينئذٍ تكون هذه علامة شرٍّ في هذه الأمة، ودلالة سوء تنذر بضياع دين الله تعالى، وللذّكر فالعبد لله كاتب هذه السّطور لا يُحزنه ولا يُغضبه أن يغضب أهل التّقليد، أو أن تحمرَّ أنوفُ من يعبد الذوات البشرية والرموز، لا والله بل يُفرحه أشدّ الفرح، ويرجو من الله أن لا يضيع أجره ولا يخيب ظنه، ولعلّ لي العذر أن أقدّم هذه المقدّمة وأنا أكتب عن الشيخ ناصر فهو رجلٌ من النّاس يخطئ ويصيب، وربّنا وحده هو القدوس، لكني أعلم أن قومًا أبغضوا الشيخ، وغالوا في البغض، حتّى هلكوا، وقومًا أحبّوه وغالوا في حبّه حتى هلكوا، وأنا بشرٌ أرقب زفرات الغضب من مبغضيه حين أمدح، وأرقب نظرات الغضب من محبّيه حين أكشف شيئًا، لكن على الله توكّلنا فهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والشيخ حبيبٌ إلينا، والحقّ أحبُّ إلينا منه.
من المهمّ أن ننبّه على أمرٍ ملاحظٍ في مسيرةِ الشّيخ وفي حركة حياته، وهو أنّ الشيخ كان دومًا يُستغل من قِبل الآخرين في إثارة المعارك، وفي اتّخاذه من قبل الآخرين دريئة، ومحاربًا على حساب الآخرين، وهذا أمر ملاحظ، وإلى الآن للأسف الشّديد: وإليك البيان في سورية، عندما مات المراقب العام للإخوان المسلمين ومؤسّس التنظيم هناك، الشيخ الدكتور مصطفى السّباعي -رحمه الله تعالى- وكان الشيخ الدكتور في منهجه العلميّ قريبًا من المنهج السَّلفي، ولاعتباراتٍ تاريخية وحياتيّة كان الإخوان المسلمون في سورية قد انقسموا إلى قسمين من ناحية المنهج، فهناك أهل الشّمال وخاصة مدينة حماة يميلون إلى التّقليد واتّباع المذاهب، وكانوا على الأغلب متأثّرين بالشيخ محمّد الحامد، وهو من مناصري المذهبية، وكان أهل دمشق في الجنوب على الضدِّ من ذلك، فهم سلفيّة أو قريبًا منها، وكانت الخصومة هناك دائرة ين الاتّجاهين، حتّى كان كتاب فقه السنة للسيد سابق يدرّس في حلقات دمشق، وكان هذا الكتاب يَحْرُم النّظر فيه في حماة.