الصفحة 15 من 52

محمّد سعيد رمضان البوطي

مسكينة هي الجزائر، ومساكين أهلها.

عندما كانت الجزائر في قبضة الكفر من كلِّ جانب، وكان اللعين هوّاري بومدين يسوم أهلها سوء العذاب، بل لمّا كانت تحت وطأة التغريب، والدخول في نفق الفرانكفونية، لم يبك لها أحد، ولم يدافع عن أهلها أحد. فأين هولاء الناصحون لأهلها سوء النصائح الآن. أين كانوا؟.

أين كان محمّد الغزالي الشّيخ المصري المعمّم؟. وأين كان يوسف القرضاوي فقيه الحركة الإسلامية الأمّ؟. وأين كان هذا البوطيّ؟.

نعم جاء البوطي ومحمد الغزالي إلى الجزائر بطلبٍ من حكومة الشاذلي بن جديد ليقيما كلية الشريعة في جامعة قسنطينة، واستفاق الشعب الجزائري المغرّب على أصوات مشايخ يتكلّمون باسم الإسلام، ومع اسم الإسلام يشيدون بأسماء قادتهم المرتدّين.

فالجزائريون ما زالوا يذكرون محمّد الغزالي وهو يقول عن ابن جديد:"ما رأيت مؤمنًا مثله، وما رأيت أحدًا خدم الإسلام مثله".

وقال:"حينما أجلس معه أجد راحة نفسية".

والبوطي يقول:"إنّ الذي آتى إبراهيم رشده، قد آتى الشاذلي رشده".

وأَحَبّ الشّعب المسلم في الجزائر هؤلاء الشّيوخ لأنّهم يتكلّمون باسم الإسلام، ورصيد الإسلام في قلوبهم ما زال حاضرًا، ولم يكن لدى الجزائريين تلك الخطوط الدقيقة في معرفة ألوان هؤلاء المشايخ، ولا اتّجاهاتهم، بل يكفي أن يتحدّثوا باسم الإسلام ليحبّهم الناس.

والآن تفتقت ذهنيّة الكفر عن طريقة قديمة جديدة، وهو الإتيان بهؤلاء الشيوخ ليتحدّثوا عن الواقع الجزائري، وليقِفوا في صفّ الحكومة ضدَّ المجاهدين.

وكان ما كان من أمر البوطي، حيث سمعه الناس وهو ينصح الجزائريين بوضع السلاح والاحتكام إلى علماء الأمّة (وهو قطعًا يقصد نفسه) ، ولكن في نقاشنا عن البوطي، وعن فهمه لدين الله تعالى، وكيف يتعامل مع الشرع؟ لا بدّ أن نوضّح أمرًا في حقّ البوطي ومَن هم على شاكلته قبل هذا الأمر، هذا الأمر هو: إنّ عامّة هؤلاء المشايخ لا يملكون من أمرهم شيئًا، وهم بحقّ وصدق أدواتٌ في يد الحكومات المرتدّة، تستخدمهم لتنفيذ مشاريعها على الشّعوب، لأنّهم قبل أن يكونوا مشايخ علم هم موظّفون وجنود عند هذه الحكومات، تستخدمهم كما تستخدم غيرهم، ومن هنا فإنّ ما يقولونه سواء قالوه عن اعتقاد أو عن عدم اعتقاد فهو لا يمثّل الإسلام في شيء، لأن مِن شرط المتحدّث عن الإسلام أن يعْلَمَ النّاس استقلاليته، وهي التي لا يمكن للمرء أن يكوّنها إلا بشجاعة وقدرة على تحمُّل تبعات هذه الاستقلالية، فهم مساجين للحكومات، وقد روّضتهم هذه الحكومات على الطّاعة المطلقة لها.

وأمرٌ آخر: هل يملك البوطي وغيره، بل هل يملك جميع علماء ومشايخ الأمّة في هذا الوقت القدرة على تنفيذ ما يقولون؟. فهذا البوطي مثلًا خرج على التلفزيون في سوريا أيّام الانتخابات الرئاسية يدعو بكلّ جدارة كرجل يمثِّل رئيس الحملة الانتخابيّة للرّئيس الملعون حافظ الأسد، يدعو أن ينتخب الشّعب السوري الرّجل الذي خدم الإسلام في سوريّا ما لم يخدمه أحدٌ من قبل، والرجل الذي بُنيت في عهده المساجد أكثر ممّا بنيت من صدر الإسلام إلى يوم دخوله الميمون على البلد المنكوب: سوريا. ولو افترضنا جدلًا (وأكرّر جدلًا بل جدلًا ممقوتًا) أنّ هذا الشيخ النّاصح رأى، ويحقّ له أن يرى، أنّ على الرئيس حافظ الأسد أن يستقيل مثلًا -وأكرّر مثلًا- والسبب هو ليفتح لجيل الشباب المتنوّر الجديد فرصة خدمة سوريّا -وليسامحني القارئ، فأنا الآن سمحت لنفسي بالحلم مستيقظًا- فهل سيُسمح للشّيخ ولطلعته البهيّة أن تطلّ على التلفزيون؟.

ثمّ عندما يتحدث هذا الشّيخ عن الوضع في الجزائر، يملك فيما يعتقد هو أنّه يملك كلمةً مقبولة عند الحكومة الجزائرية؟ بمعنى لو طلب منها برنامجًا ما، ولنفرض أن تُطلق سراح الشيخين عباس مدني وعلي بن حاج، فهل هو رجلٌ لهذا الطلب؟ وهل يستطيع أن ينفّذ برنامجه هناك في سوريا، وهنا في الجزائر.

لعلّي أطلت على القارئ: ولكن قصدي من هذا هو أن أقول لك أخي المجاهد إنّ هؤلاء القوم لا يحترمون أنفسهم، والحكومات المرتدّة تحتقر أكثر ما تحتقر هؤلاء المشايخ، ووالله الذي لا يُحلف إلاّ به، أن الرّئيس الملعون حافظ الأسد لا يحتقر أحدًا من المشايخ في الدنيا كما يحتقر المشايخ الذين ينافقون له، ويكذِبون له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت