في نشرةٍ بتاريخ8/ 2/1969 يقول الحزب: قبل 5 حزيران1967 كان مفهومًا لدينا أنّ إسرائيل تعمل لمصلحتها، وأنّ سياستها ذاتيّة، وأنّها ترسم سياستها حسب مصلحتها، ولكن بعد 5 حزيران تبيّن لنا من معلومات كثيرة أنّ إسرائيل تسير مع الإنجليز وأن أكثريّتهم عملاء للإنجليز، وقد ظهر ذلك جليًّا في احتلالهم لسيناء، وليست لهم أية مصلحة في ذلك، ثمّ في بقائهم يسيرون بتوجيهات الإنجليز حتى صار واضحًا مثل الشّمس لكلّ العالم أنّ أعمال إسرائيل أعمال إنجليز، وعليه فإنّه ظهر بعد 5 حزيران أن حكام إسرائيل لا يتحركون حركة إلا بأمر الإنجليز.
في نشرة بتاريخ23/ 4/1969 يقول الحزب: إنّ الجهاد مع الفدائيين ليس بواجب لسببين:
أحدهما أنّها منظّمات خائنة وُجدت حسب مخطّط إنجليزي، ومن أجل تنفيذه، ومن أنشأوها وكثيرٌ من السائرين فيها من قادتها وغيرهم يعلمون ذلك، ولهذا لا يجب الجهاد معها، بل في هذه الحالة إذا علم المسلم بهذه الخيانة وصدّق به لا يجوز له أن يجاهد معهم لأنّه يقوم بتنفيذ مخطط إنجليزي، وفي منظمة أمست حسب خطط الإنجليز وهو يعلم ذلك.
أما السبب الثاني: فهي أن جماعة الفدائيين ليس لهم أمير حتى يجب الجهاد معهم، وأميرهم لا يعتبر أميرًا عامًّا، لأنّ الأمير من ينصّب لرعاية الناس فهو الذي له صلاحية إدارة الجماعة، ولا ينطبق هذا على الفدائيين وعلى أميرهم، لذلك كان الجهاد مع الفدائيين غير واجب لأنه ليس هناك (أمير يجاهد تحت رايته الجهاد واجب عليكم مع كل أمير) ولكن هل يجوز الجهاد مع الفدائيين فرديًّا لمن لا يعلم أنّها منظماتٌ خائنة؟ فالجواب على ذلك هو أنه يجوز الجهاد مع الفدائيين لمن لا يعلم خيانتهم، لأن الجهاد الفردي جائز في حالة عدم توفّر شروط وجوب الجهاد، وأما الانخراط في الجيش مع الحكومة فإن الحكومة تعتبر جماعة لها أمير، ولذلك إذا وجب الجهاد فإن الجهاد يكون واجبًا في هذه الحالة لأن شرط الأمير قد تحقق. ا. هـ.
وأرجو العفو لأنّني سُقت هذه الفقرة مع طولها، إلا أنّها تعتبر نموذجًا لما قدّمنا من محترزاتٍ على الحزب.
فهذه الفقرات وخاصة الأخيرة علّقت الحكم على تحليلٍ سياسي لها، وهذا قد تختلف فيه الأنظار (أي التحليل السياسي) ، ولذلك لن يكون ملزمًا إلا لصاحبه، وتركت المناط الحقيقي لحرمة القتال مع هذه الطوائف المذكورة (المنظمات الفدائية) .
فالمناط الحقيقي لحرمة القتال مع هذه الطوائف أنّها طوائف كفرٌ وردّة لأنّها التقت على عقيدة كفريّة وهي العلمانية في بعضها، والشيوعية والبعثية في أخرى، وهو مناطٌ ظاهرٌ بيّن، وهو مناط حقيقي وشرعي، ولما أخطأ الحزب، وهو كثيرًا ما يُخطئ في التحليل السياسي فإن أحكامه ستكون غير مضبوطة شرعًا، وستكون ألعوبة بين كلّ من هبّ ودبّ في الخلاف معهم، ولذلك لم يذكر الحزب شيئًا عن حكم الراية التي يجوز للمسلم أن يقاتل تحتها، وهذا دفعه أن يقول في نهاية الفتوى:"وأمّا الانخراط في الجيش ومع الحكومة ... فإن الجهاد يكون واجبا في هذه الحالة".
ومعلوم أنّه يتكلم عن الجيش الأردني والحكومة الأردنية، وهذا تخبط واضحٌ في فهمه للشريعة وللأحكام فيها، ولكن دفعه لذلك هوسه في أهميّة التحليل السياسي، بل جعل عقيدة الإسلام هي عقيدة سياسية في جوهرها كما تقدَّم سابقًا فعلّق كل شيء عليها، أي على السياسة فيها. وبدل أن يكون الصراع بيننا وبين الآخرين على أساس عقيدة التوحيد، وعلى أساس قاعدة العبودية لله أو لغيره، فإن قتالنا سيكون على أساس العلاقة السياسية وغيرها، وهذا واضح في تحليل الحزب لعمالة القادة الإسرائيليين (اليهود) في فلسطين.
فهل قتالنا لهم لأنهم عملاء للإنجليز أم لكونهم أعداء لله؟.
مع أننا نقرر أن العداء لله ولرسوله لا بد أن يفرز عمالة لطواغيت الأرض الكفرة، ولكن لا بد من تعليق الحكم الشرعي على مناطٍ صحيح لا تختلف فيه الأنظار.
وهذا يدفعنا إلى القول أن فهم الإيمان والتوحيد عند الحزب ليس هو الفهم السني، بل هو أقرب ما يكون إلى إفرازات الأشاعرة (المرجئة) حين يجعل التوحيد عقيدة عقلية، ويجعل جهاد الكتلة المؤمنة كفاحًا سياسيًا. لكنها كما يبدو عقيدة عقلية متطوّرة.
وللحزب بعض الفتاوى التي تحتاج إلى بحث ونظر وعسى أن نفرغ لها قريبًا. والله الموفق