الصفحة 13 من 52

أما أدلّته على ذلك فلها موطن آخر.

على الرغم من أن الحزب كما تقدّم يرفض أن يكون مفتيًا إلا أنّه مارس الفتوى على جميع الصُّعُد، وكانت هذه الفتاوى الصادرة منه تصبغ ما تقدّم من الإطار العام للحزب شخصية خاصة، لا تتعامل مع الحكم الشرعي والبعد الديني للوقائع والأحكام بمقدار ما تتعامل مع التحليل السياسي لهذا الحدث.

والتحليل السياسي مهما تعمّق فيه صاحبه فإنّه لا يكفي لإصدار حكم شرعيٍّ واضح في المسألة، وقد أقام الشارع أحكامًا شرعية على عللٍ كونيّة واضحةٍ يلتقي حولها أغلب العقلاء. وهذا ليس تهوينًا للتحليل السياسي للأحداث، بل هو إعادة له إلى مقامه الصحيح حتى لا يطغى على العلل الشّرعية الواضحة التي تقوم من أجلها الأحكام.

وقبل أن نستفيض في ذكر الأمثلة لهذا الأمر فلا مانع أن نمرّ بإيجاز على محترزات التحليل السياسي للأحداث وما هي مداخل الخطأ فيه:

التحليل السياسي على الجملة ينشأ على ركيزتين اثنتين هما

1 -معرفة المرء للحدث من جميع جوانبه كما هو من غير تخيل ولا ظنّ.

2 -عقيدة المحلّل السياسي.

وعلى ضوء هاتين الركيزتين ينشأ عادة خطأ التحليل السياسي. فالمحلّل في أغلب الأحيان إن لم يكن قريبًا من مصادر الحدث، مطّلعًا على خفاياه وخاصة في عصر النّفاق السياسي، والكيد الذّكي في إدارة الأحداث والأقوال السياسية، فإنّه سيكون أسير الخبر المعلن، والقول الظاهر فحينئذٍ تكون أحكامه قاصرة.

وصورة الخطأ الآخر أن المحلّل السياسي (إن لم يكن موضوعيًّا وهو الأغلب) سيحاول دعم عقيدته السياسية بهذا الحدث، حين يأخذ برقبة هذا الحدث ليدخله رغم أنفه إلى جملة الأدلة التي يُعتد بها لخدمة عقيدته. فالشيوعي مثلًا لن يتصوّر حدثًا ما في الدنيا إلا وسيستخدمه في كشف عملاء الإمبريالية، وخطط البعبع الرأسمالي في السيطرة على الحياة والوجود، واليمين الرأسمالي كلّما قُعقع له في الشنان لن يرى إلا مطرقة الشيوعية أو منجلها في هذا الحدث.

وهذا رأيناه بوضوح في كافة الصُّعد في بلادنا العربيّة (وأستغفر الله لهذا التعبير) فإنّ عامّة النّاس كانوا يُساقون إلى تفسير الأحداث على ضوء نظرتهم لليهود والصهيونيّة (وأستغفر الله مرة أخرى) ، حتى لو كُسفَت الشّمس، فإنّ وراء كسوفها اليهود، وحزب التحرير على الجملة في كلِّ تفسيراته لكل الأحداث السياسيّة في بلادنا كان يرجعها إلى الصراع الأمريكي - الإنجليزي، حتى أنّ روسيا دخلت أفغانستان يجرها حبل ريغان (الرئيس الأمريكي يومذاك) .

وبين يديّ الآن مجموعة من النشرات القديمة والحديثة للحزب تبيّن ما قدّمنا أسوق لكم بعضها كمِثال، مع أن الجراب مليء بمثل هذه الأمثلة.

في نشرة بتاريخ26/ 4/1964م وهي نشرة طويلة يقول:"في الصراع القائم بين أمريكا وإنجلترا في الشّرق الأوسط يشترك عملاء كلتا الدولتين في هذا الصراع ويتّخذون الأداة لتنفيذ الخطط، ويعتبر عبد الناصر وحزب البعث وبن بلّة من أبرز عملاء أمريكا الذين لهم أدوار في هذا الصّراع، ويعتبر حزب الشعب (حزب سوري منحل) والحزب الوطني في سوريا، وسياسيّو لبنان إجمالًا حكّامًا وغير حكام"

وفي البيان يقرر أنّه لا خصومة بين أمريكا وروسيا في الشّرق الأوسط فقد وُزّعت الأدوار بينهم، يقول: إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ من الاتفافيات التي جرت بين خروتشوف وكينيدي في حزيران1961 في النّمسا إطلاق يد أمريكا في الشرق الأوسط والشرق الأقصى وأفريقيا واستعداد روسيا لمساندة أميركا ضدّ إنجلترا في أيّ عملٍ يحتاج إلى مساعدة. ا. هـ. وحسب هذا التحليل لا أدري ماذا بقي لروسيا من قطعة الجبن هذه.

يقول في نشرة بتاريخ31/ 8/1968: المحرّك لمشكلة تشيكوسلوفاكيا هو الإنجليز، فقد حرّكوها من أجل إشغال روسيا حتى يتمكّنوا من العمل في الشرق الأوسط. ا. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت