فهو يتولى السلطة -أي الحزب- حين يُتاح له أن يتولاّها ليرعى شؤون الناس فعلًا، ويحاسب السلطة في جميع الأحيان، سواء أكان في الحكم أو خارج الحكم، فعمله كلّه محصور في السياسة، إما عمليًّا بمباشرتها، وإمّا نظريًّا بمحاسبة الحكّام على أساس الإسلام.
إن الحزب قد جرت محاولاتٌ ثلاث لفتنته عن حقيقته بجرّه عن السياسة إلى الدين والفقه. فالحزب عمله كلّه في السياسة، وأما العمل بالدين والفقه هو فتنة للحزب عن حقيقته.
ونحن لا ندري ما هو تعريف الدين عند حزب التحرير؟.
كذلك لا ندري ما هو تعريف الفقه عند حزب التحرير؟ لكن لو طبّقنا تعريف كلمتي دين وفقه عند أهل الإسلام قاطبة، فسيكون الحزب ليس حزبًا دينيًّا، ونحن نعلم وصغار المسلمين يعلمون أنّ الإسلام دين، ولا يوجد شيء في إسلامنا لا يسمّى دينًا.
فسيكون الحزب عندئذ على هذا التعريف (ولا يوجد غيره عند أهل الإسلام) ليس حزبًا إسلاميًّا إلًا بمقدار أن يكون الحزب الديمقراطي المسيحي مسيحيًا، والحزب العربي الديمقراطي الإسلامي إسلاميًا.
(لذلك كان من ألزم الواجبات أن تكون صورة كل حزبيٍّ لدى الأمّة هي صورة الحزب، أن تكون شخصيّة كلّ حزبي عند الناس شخصيةً سياسية نضالية، تحاول أخذ قيادة الناس لخوض غمرات الكفاح.) ا. هـ.
إذًا صورة الحزبي صورة مكافح سياسي، صورة مناضلٍ سياسي.
ونذكِّر: لا يعمل بالإسلام، ولا يتّصف بالإسلام.
وحتّى تتّضح الصورة أكثر. فلو سأل سائل: هل يجوز للكتلة السياسية (حزب التحرير) ، أو لأفرادها أن يكافحوا كفاحًا عسكريًّا (الجهاد) ، أو يناضلوا بالإسلام نضالًا مسلّحًا؟. ومع أن جواب هذا السؤال سيُتعرّض له بتوسّع في"منهج الحزب في التغيير"إلاّ أن طرقه هنا يخدم إعطاء صورة تامَّة عن الحزب.
يقول الحزب في كتاب"مفاهيم حزب التحرير"وهو مُتبنّى:"ولهذا كان لا شأن للكتلة الإسلامية التي تحمل الدعوة بالنواحي العقليّة ولا تشتغل بشيءٍ إلا الدعوة، وتعتبر القيام بأي عملٍ من الأعمال الأخرى مُلهيًا ومخدّرًا ومعيقًا عن الدعوة ولا يجوز الاشتغال بها مطلقًا".
ويقول في المفاهيم أيضًا ما نصّه: ولهذا لا يجوز للكتلة وهي تحمل الدعوة أن تقوم ككتلة بأيّ عملٍ من الأخرى ويجب أن تقتصر على الفِكر والدعوة. ا. هـ.
وفي نشرةٍ بتاريخ27/ 10/1968م تحت عنوان: سأل"أحد الشّباب الحزب"، يقول المنشور في شرح هذه العبارات:"فالحزب قد تبنّى من أوّل يوم وُجد فيه أن لا يقوم بالأعمال المادِّية، وحمل السّلاح من قبل الحزب كحزب للقيام بأعمال بواسطة السلاح هو قيامٌ بأعمال غير فكريّة، قيام بأعمال مادّية، وهو لا يجوز للحزب أن يفعله مهما كانت الغاية التي يحمل السلاح من أجلها، سواء أكانت لإزالة المنكر أو لتسلّم الحكم أو لغير ذلك، ولا يصحّ أن يقوم إلاّ بالأعمال الفكريّة والأعمال السياسية فلا يصحّ أن يقوم بالأعمال المادّية مطلقًا لا بالأمس ولا باليوم ولا في المستقبل فهو مقيَّد بما تبنّى".
ويقول في نفس النشرة:"أن يُطلب من الحزب أن يشارك في الأعمال المسلّحة لأخذ الحكم طلبٌ مرفوض لأنّ الحزب كحزب لا يشارك في حمل السلاح لأخذ الحكم، لأنّه كحزب لا يقوم بالأعمال المادية"..."إن الحزب لا يطلب من غيره الآن أن يقوم بالأعمال المادية والأعمال المسلحة لأخذ الحكم، وإنّما يطلب ممّن لهم المنعة أن ينصُروه، أي أن يستعملوا قوّتهم ونفوذهم لنصرته سواءَ أكان ذلك بالأعمال المسلّحة أم بغيرها".
فالحزب لا يقوم بالعمل المسلّح بل بالكفاح السياسي، والنضال السياسي فقط، وإنّما يطلب من غيره أن يقوم بالعمل المسلَّح أو أي أعمال أخرى ليعطي الحزب الحكم.
يقول في نفس النّشرة: إن طلب الحزب للنصرة ليس طلب فرد من غيره أن يقوم بأعمال مادّية لمساعدته، وهو لا يقوم بها، فليس طلب فردٍ من غيره أن يقاتلوا ليحموه وهو يتأخّر عن القتال وإنّما هو طلبٌ من كتلة من أهل المنعة والقوة أن ينصروها (أي الكتلة) وأن يُزيلوا الحواجز المادّية من طريقها (أي الكتلة) حتى تتسلّم الحكم. ا. هـ.
وهو بهذا (كما نصّ في مواطن أخرى) لا يمنع الأعمال المادية ومنها الجهاد الفردي، بل يقول بجوازه، ولكن هو يحرّمه على أتباعه، ويمنع تلك الكتلة السياسية (أي حزب التحرير) من ممارستها، بل هو ربّما يحرّض على الأعمال المادّية، لكنّه يرفض أن يمارسها.