لقيت هذه النظرة من أوّلها إلى ما وصلت إليه الآن، الكثير ممّا يستحق أن نقف عنده ونعالجه في هذه المراجعات، وككل كتابة إن وفّق الله تعالى كاتبها لابدّ أن تثير القارئ، إثارة تصدمه وتدفعه للتّفكر والمراجعة، وتنمّي لديه الرغبة في البحث والاكتشاف.
هذه الفقرة جوبهت بالكثير من الحرج من بعض المحبّين، حيث عبّروا -حفِظهم الله- عن شفقتهم لهذا الطريق الشّاق الذي سلكته، شفقةً على الكاتب، وشفقةً على النشرة ومن تصدر باسمهم، وقد ناصروا رأيهم ودعموه بأنّ الجهاد يحتاج إلى أنصار، كما أنّه مقذوفٌ من كلّ جانب بشتّى التّهم الباطلة، فالأحرى والأولى أن نجمع ولا نفرّق، وهذه الورقات وبالأخص ما يكتب هنا وما يكتب قي الفقرة الأخرى يكثِّر الخصوم لا الأنصار، ومع ما في هذا القول من بعض صواب إلاّ أنّ البحث الواعي يردّك إلى الجواب الشّرعي الذي ينبغي أن نَلزَم غِرزَه ولا نفارقه تحت دعوى المصلحة الموهومة.
وقبل أن أخوض وأبحث في المستند الشّرعي لهذه النظرة، فإنّي أريد أن أنبّه إلى شيء خبرته من هؤلاء القوم الذين يُطلب منهم التأييد والمناصرة، سواء كان هذا من شيوخ وطلبة علم، أو مِن غيرهم من الدَّهماء والعامّة، هؤلاء القوم دلّت الأحداث على أنّهم أسرى لعُقدة النصر والدعاية، وأعني بهذه العبارة؛ أنّ الكثير من المفكّرين والمشايخ تبع لا قادة، فهم ينقادون إلى الصخب العالي، ولا تستهويهم البدايات، والتي تكون غالبًا صغيرة الشأن، لا تحمل في داخلها الرّغبة التي اعتادتها شعوبُنا، فلو جاء قائدٌ أفغاني مثلًا ليطلب دعمًا مادّيًا في بدايات الجهاد الأفغاني، وهو في أوّل الطريق حيث لا يصاحبه صخبٌ إعلامي، ولا تأييد شعبي واسع، لصفعه على قفاه، وانتهره بأقسى العبارات، ولكن حيث علا الضجيج الإعلامي للجهاد الأفغاني، وسمح للمشايخ بالبكاء على المنابر له، وصار مدّه عاليًا واسعًا، رأيت كلّ المشايخ يطلبون ودّه بالفتوى حينًا، وبالدّعم المالي حينًا، وبالزيارات التي كانوا يقومون بها كحسو الطائر حينًا آخر، وقلّما تجد من يتكلّم وهو يحمل مشروعًا يصلح الخلل، أو يقوّم المسيرة، أو يرشد الطريق، وكأن كلّ شيء هو منتهى الطّلب وغاية المنى، حتّى إذا وصل الجهاد إلى ما وصل إليه، عاد أولئك المشايخ إلى حظائرهم سالمين، ولأن الهزيمة لا أب لها فمن الذي يستطيع الآن أن يقول ما كان يقوله بالأمس.
ولو افترضنا أنّ هذا الجهاد حقّق الآمال النّهائية للمشروع الإسلامي لكان كلّهم أبوه، وكلّهم صاحبه، وهو وليّه من دون الآخرين.
وكذلك ما حدث مع جبهة الإنقاذ في الجزائر وأمر الانتخابات، فمن ذا الذي جرؤ أن يشير إليها في وقت صخبها العالي، ومدّها المتّسع، وأن يتكلّم عنها أو يشير إليها بطرفٍ خفيّ، لكنّها الآن كالأولى لا أب لها، هذا أمر أمّتنا تحسن ركوب الموجة وهي مرتفعة، أمّا أن تستثمر الضّعيف الصّالح لتقوّيه، أو تقوّم الكبير لئلاّ ينهار، فليس هذا من شأنها.
والجهاد في الجزائر الآن لا أب له، والمؤيِّدون له يتكلّمون عنه باستحياء وبعبارات مقنّعة، وإنّي لأرجو من الله تعالى - وهو أهلٌ لكلّ خير- أن يمتدّ شأنه، ويأخذ طريقه إلى مواقعه الأولى في مشروعه بإقامة دولة الإسلام، حينئذ لا تنس أخي القارئ هذه الكلمات، فسيصبح الكلّ أبوه ووليّه، وصاحبه الذي دعمه وأيَّده، وأمّا إن كانت الأخرى، وهي ليست بالممتنعة، فسيخرج النّاصحون والعقلاء وسيملأون الدُّنيا ضجيجًا، بأنّهم نصحوا وأبلغوا في النّصيحة، وقالوا: ألم نقُل لكم رويدكم؟ ألم نقل لكم لم يحن القِطاف بعد، وحينها لا أب له، وللأسف فهذا أمر مشايخنا، وهو كذلك واقِعُ أمّتنا على الجملة، وهي أسيرة -كما يقال- للواقف، وأمّا الضّعيف فالناس لا يُحسنون إلاّ ذبحه وسلخه.