وعندما مات الدكتور مصطفى السباعي، آلت القيادة إلى الأستاذ عصام العطّار، وهو من تيّار دمشق، ولكن تيّار المذهبية والمقلّدة لم يسكن ولم يستكين، فما أن ظهرت أوّل بادرة وفرصة لتيّار حماة حتّى استغلّها ونقل القيادة إلى حماة، ذلك لأن عصام العطار خرج إلى الحجّ، وعندما أراد العودة عن طريق البرّ من الأردن منَعته السلطات السوريّة من دخول سورية، فاجتمعت القيادة في سوريّة وقرّرت أن القيادة يجب أن تكون ميدانية، وقرّروا نقل القيادة إلى الشيخ المذهبي عبد الفتّاح أبي غدّة وهو حلبي، وعلى ضوء هذا الحدث تمّ الخلاف في داخل صفوف الإخوان، فبعضهم رفض هذا الانقلاب، ورفض الأستاذ عصام هذا التغيير كذلك، وبعضهم رضي ذلك، وكان تيّار دمشق مع العطار في أغلبه، وعندما عرض هذا الأمر على القيادة المصريّة، أيّدت إمارة عبد الفتاح أبي غدة، فما كان من تيّار دمشق إلاّ الانفصال، وحينها سمّي هذا التنظيم بالطلائع، وكان من المنفصلين والمؤيّدين للأستاذ عصام زهير الشّاويش، وهو رجل مهتمٌّ بنشر الكتب وطباعتها، وكان الشيخ ناصر الألباني يشتغل في المكتب الإسلامي لصاحبه زهير الشاويش، وبذكاء يُعترف به استطاع زهير الشاويش إدارة الشيخ ناصر الألباني في هذه المعركة تحت ستار محاربة المذهبية والصوفية والأشاعرة، نعم عبد الفتاح أبو غدّة هو كذلك مذهبيّ صوفيّ ماتُريدي، لكن لماذا هذا الاهتمام كله من قبل الشيخ ناصر بأبي غدّة، وهناك من هو أكثر عداءً للسلفية في بلاد الشّام، حتى وصل الأمر أن يفتتح طالب العلم كتب العقيدة الصحيحة بهذه الخصومة بين الشيخ ناصر وبين أبي غدّة، بل خصّ الشّيخ ناصر أبا غدّة بكتابٍ مستقل في التعليق عليه، وكشف أخطائه وهفواته، بل ومراقبة خُطَب أبي غدة وملاحقته في كشف حقيقته عندما ذهب للجامعات السعودية للتدريس فيها، وهو أمرٌ لا يستطيع أن يفسّره المرء المطلع إلا استغلالًا من قبل زهير الشاويش للشيخ ناصر في خصومةٍ لم يكن الأصل فيها خلافًا بين سلفية ومذهبيّة أبدًا.
وبقي الشيخ ناصر مُستغلاّ من قبل صاحب المكتب الإسلامي في إدارته كمحاربٍ ضدّ الخصوم.
رَحل الشيخ ناصر إلى الأردن وبدأت السلفيّة كشعار تحمل اتّجاهاتٍ متعدِّدة، فهناك سلفيةٌ ترى خوض العمل السياسي، وترى وجوب التنظيم، وترى خوض غمرات الحياة، وهي كذلك خطوط متعددة، فبعضها يرى العمل من خلال البرلمانات الشركيّة، وبعضها يحرّم ذلك، وبعضها يرى التّنظيم العلمي، وغيره يرى التنظيم العسكريّ، وهناك سلفيّة اصطلح بعضهم عليها إطلاق لفظ العلميّة، فهم يحرّمون العمل السّياسي.
والأدلة على ذلك متضاربة بينهم، فهناك منهم من يرى حكّام هذا الزّمان أنّهم مسلمون والخروج عليهم بغيٌ وعُدوان، وهناك من يرى عدم جدوى الحديث في هذه الأمور، وهذا التيّار يرى حرمة التنظيم وأنّه بدعة جديدة، وهناك وهناك ممّا يصعب حصره وذكره، وكلّ هذه الاتجاهات خرجت من عباءة السلفية، بل إنّ هناك من التّيارات السلفية ما ترى أنّ فِقه الواقع هو عين الجهل بدين الله تعالى، وهناك من يرى وجوب فقه الواقع.
وكلّ له دليله، وبعضهم له دليلّ وحيد فقط، هو أنّه سلفيّ.
هذه التيّارات المتضاربة تحت شعار السّلفية، حاولت كلّ جهة أن تضمّ الشيخ بثقله إلى جانبها، وتستخدمه في حروب طاحنة ضد خصومهم، وللذّكر فإنّ الخصومة بين هذه التيّارات شديدة، ووصل الأمر بها إلى الاتّهام بالعمالة، والاتّهام بالغلوّ والخروج.
قلنا حاول كل تيّار أن يجذب الشّيخ إليه، والشيخ دومًا كان يعترف أنّه لا يفقه في العمل الحركي، وهذا أمر سنبسُطه قريبًا -إن شاء الله- واستطاع تيّار معيّن، بما يملك من ثقلٍ مالي ودعائي وحكومي، وقُرب من الشيخ كذلك، أن يدفع الشيخ إلى داخله فيجيّره إلى حسابه. هذا التيار هو تيّار السلفيّة المزعومة بقيادة هذا التيار في الأردن والحجاز.
كان الشيخ دومًا ينبّه على أخطاء بعض تلامذته، وأعلن مرارًا أنّه استطاع أن يعلِّم لكنه لم يستطع أن يربِّي، ولكن للأسف كان وصار الشيخ أسيرًا لهؤلاء التلاميذ الذين اعترف أنّه لم يستطع تربيتهم.