الصفحة 39 من 52

وهو ليس بأوّل باحث وقع في هذه القسمة الباطلة ولكن وقع فيها من تخصّص في هذا الباب أمثال الدكتور النشّار، والذي بقي طويلًا يظنّ أنّ مذهب القرآن والسنّة وبالتالي مذهب أهل السنّة يقوم على مذهب الجبر، حتى بيّن له أحد تلاميذه هذا الخطأ وهو الدكتور فاروق أحمد دسوقي، كما بيّن ذلك في كتابه الماتع"الحرية"وهو من أفضل ما كتب في هذا العصر من أبحاث جادة قيّمة.

ومن النماذج الواضحة التي وقعت بين الخيارات الباطلة ولم تعرف الحقّ هو محمّد بن محمّد الغزالي -أبو حامد المتوفي سنة505هـ- صاحب كتاب"الإحياء"وقد ذكر تجربته بين هذه الخيارات في كتابه الموسوم:"المنقذ من الضّلال"، فإنّه ذكر المذاهب التي عرضت عليه في مرحلة الشّك والبحث عن الحقيقة، فلم يذكر شيئًا عن مذهب الحقّ -أهل السنّة والجماعة- لكنه ظنّ أن المتكلمين -الأشاعرة- هم أصحاب هذا الخيار، فلم يكن معه إلاّ أن اختار الصّوفية كطريق يوصل الإنسان إلى الحقيقة.

إذًا راشد الغنوشي ليس سنيًّا ولا مهتديًا في باب توحيد القدر، بل هو بدعيّ العقيدة في هذا الباب.

هذه واحدة.

تكلمنا عن راشد في فهمه لتوحيد القدر، وأنّه مبتدع في هذا الأمر، إذ أنّه على مذهب المعتزلة في هذا الباب ...

والآن إلى فهم الرجل في توحيد الشرع:

لعلّ ملايين المسلمين في العالم سمعوا راشد وهو يقول لوكالات الأنباء أنّ قضيّة تحكيم الشريعة الإسلامية ليست في برنامجه، ولا في برنامج حزبه -حزب النهضة- حيث دلّل على هذا الأمر بقوله إنّ استبدال قانون بقانون ليس هو الذي يغيّر الأوضاع في داخل بلده المنكوب تونس، ومعنى كلامه بكلّ وضوح أن تحكيم الشريعة لا يغيّر الأوضاع المتردّية في تونس، بل هو معنيّ حسب قوله بنشر الحرّية وتأمين فرص العمل للعاطلين عنه.

وقد يظنّ البعض أنّ راشد يقول هذا الكلام للاستهلاك الإعلامي، ولكن لو رجع الدّارس إلى القانون الأساسي لحركة النّهضة التونسية لوجد أن الأمر هو اعتقاد صميم عند الرجل، فتحت فصل الأهداف يقول القانون:

تناضل حركة النهضة من أجل الإسهام في تحقيق الأهداف التالية:

أ) المجال السياسي:

1 -دعم النظام الجمهوري وأسسه، وصيانة المجتمع المدني وتحقيق مبدأ سيادة الشعب وتكريس الشّورى.

2 -تحقيق الحريّة باعتبارها قيمة محوريّة تجسّد معنى تكريم الله للخلق وذلك بدعم الحريات العامّة والفردية وحقوق الإنسان وتأكيد مبدأ استقلال القضاء وحياد الإدارة.

3 -إقامة سياسة خارجية تنبني على عزّ البلاد ووحدتها، واستقلالها عن كلِّ نفوذٍ وفي كل المستويات، وإقامة العلاقات الدولية، ومن مبادئ عدم الانحياز الإيجابي والاحترام المتبادل، وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها والعدل والمساواة.

وهكذا يمضي القانون في ذكر أهدافه دون أدنى إشارة إلى قضيّة الإسلام الأولى وهي تحقيق عبوديّة ربّ العالمين في الأرض، ودون أدنى إشارة إلى إسلامية هذا القانون من قريب أو بعيد.

والمرء لو قرأ هذا القانون وقانون أي حزب علماني آخر في الدول الديمقراطيّة الكافرة لما وجده يزيد عليه أو ينقص، فالقانون هو قانون علماني إلى مشاشه.

وقد يسأل سائل إلى أيّ حدٍّ يصل حكم هذا القانون؟ فنقول بكلّ اطمئنان أنّه قانونٌ كافر. إذ أنّ قوله: (دعم النّظام الجمهوري وأسسه، وصيانة المجتمع المدني، وتحقيق مبدأ سيادة الشعب وتكريس الشّورى) ، هو قولٌ كفري، فالنّظام الجمهوري يقوم على مبدأ سيادة الشعب كما هو معروف عند أهله، والسيادة كما هي معرّفة عند أصحاب هذا النظام تعني: سلطةً عليا -لا سلطة فوقها- لها الحق في تقييم الأشياء والأفعال. وهذه السلطات هي:

1 -التشريعية. 2 - القضائيّة. 3 - التنفيذيّة.

فإعطاء الشعب السلطة التشريعية هو كفرٌ وردّة.

والآن إلى أيّ مدى تصل الديمقراطيّة في ذهن راشد الغنوشي؟

للإجابة على هذا السؤال لابدّ من قراءةٍ واعيةٍ للكثير ممّا كتبه راشد الغنوشي، ومن أهمّ ما كتب في هذا الباب، هو كتابه"الحريّات العامّة في الدولة الإسلامية"وهو كتاب يعبِّر بحقّ عمّا يفكر به راشد الغنوشي، وفيه يتحدّث عن استقرار دولة الإسلام، وعن وصول الأماني إلى أهدافها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت