ثمّ يدعو إلى المرحلة السامقة السامية، ويدعو أفراد تنظيمه لتُمثِّلها وهي: تقديم الإسلام القرآني السُنِّي من منابعه شاملًا كاملًا، مع تقديم الحلول بعيدًا عن الأهواء والبدع والخرافات.
(ج) السلفية عند الأستاذ عبد الكريم مطيع: في شريطه متقدّم الذِّكر"الأصالة والسلفيّة والتجديد"يأتي الأستاذ بغريبة عجيبة وهي التفريق بين الأصالة والسلفيّة. حيث يجعل الأصالة هي العودة إلى الكتاب والسنّة بعيدًا عن هيمنة الأفكار البشريّة. أي التراث وذلك باعتباره جهدًا بشريَّا.
ويجعل السّلفية هي اجتهادات بشريّة قام بها السلف الصالح.
أما التجديد فهو اجتهادات بشرية متنطعة قام بها الخلف (هداهم الله) يقول حول ذلك: الأصالة تعني الرجوع إلى الكتاب والسنّة النبوية الصحيحة اللذان خرَّجا خير القرون.
والتجديد: محاولات الخلف الصالح والطالح، كلّ حسب مفهومه وأهدافه وطموحاته، وأما السلفية فهي تعني ما كان عليه السلف الصالح. وهم بشر غير معصومين ..
ثمّ يتابع قائلًا: إنّ التعلق بالسلف الصالح رمزا للإسلام الأصيل واتّخاذه شعارًا لحركة البعث الإسلامي الحديث، يؤدّي إلى فتح ثغرة تسلل منها أعداء العقيدة من العلمانيين والشيوعيين وضلال المذاهب الوضعية وطوائف الأقليّات الدينية غير المسلمة الطامحة إلى الهيمنة على الأمة في محاولة لطمس معالم الدين، بالتركيز على سيرة السلف الصالح وآرائهم واجتهاداتهم واعتبارها نصوصا دينيّة، وبذلك أضفوا على سيرة السلف الصالح قدسيّة القرآن والسنة، وأضفوا على القرآن والسنّة بشريّة السلف الصالح، فسهل عليهم المراء والجدل والتّلاعب بالأحكام، والتشكيك في ربّانية الإسلام، ذلك لأن اعتبار الكتاب والسنة من جملة التراث يجعلهما موروثًا بشريًا فكريًا، لا تتداوله الأمة جيلًا بعد جيل إلا باعتباره عنوان عبقريتها ونتاج فكرها. اهـ المراد.
وهذا القول فيه خلط لقضايا مختلفة، وعدم وضوح عند الأستاذ فيما يخصّ المنهج السلفي. بل فيه خلط بين دعوتين وتصوّرين مختلفين ومتضادّين. فالذين يعتبرون السلفية هي العودة إلى اجتهادات البشر من السلف الصالح، وعدم الخروج عنها ومنها هم أهل التقليد من المذهبيين والمتعصّبين وليسوا هم دعاة المنهج السّلفي ولعل قراءة كتاب الأستاذ محمد عيد عبّاسي"بدعة التعصب المذهبي"تكفي في شرح مفهوم السلفية لهذه النقطة، وخاصة تلك الفقرة التي يردّ بها على محمّد سعيد البوطي حين يتّهم السلفية بأنهم يلتقون مع المستشرقين في أن الفقه الإسلامي هو نتاج فكري بشري، وهذا حق فإن الفقه هو نتاج فكري بشري، واجتهاد الإنسان، قام به علماء وأئمة، ولكن الأرضية التي صدر منها هذا النتاج هو الوحي الرباني والكتاب والسنة، والأستاذ عبد الكريم حين يدعو إلى الأصالة وهي تعني: الرجوع إلى الأصلين المقدسين؛ فإن هذه العبارة بهذا الإطلاق هي دعوى وزعم جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام فالكل يزعم أنه من دعاة العودة إلى المصادر االمحفوظة.
ولكن الفارق بين الصحيح والسقيم، بل بين السنّي والبدعي، هو السؤال الآتي وهو: ما هو المنهج العلمي الصحيح في التعامل مع الأصلين؟ فدعاة المنهج السلفي يجعلون منهج السلف الصالح هو المنهج الحق في التّعامل مع الأصل، وأمّا ما يخرج بعد ذلك من نتائج اجتهاديه فهي جهدٌ بشريّ، وأمّا خصومهم سواء كانوا من دعاة التجديد أو من المذهبيين، فهم إمّا بجعلهم كلّ قولٍ لمجتهدٍ وفقيه قديمٍ (سلفي) هو نصٌّ مقدَّس، وإمّا أن ننفلت من ضوابط ومقاييس وشروط التعامل مع الأصل المقدّس. وهما طرفا إفراطٍ وتفريط.
والصحيح هو أن ندعو الناس إلى العودة إلى الكتاب والسنة (ولا قدسية إلا لهما) مع وجوب التّعامل معهما في استنباط الحقّ منهما من خلال منهج خير القرون.
وأمّا نتاج السلف الصالح فهو بين مقبول ومردود (وذلك بحسب قربه من الحق) والمسألة اعتبارية ونسبية. والله الموفق.