والثانية: هو تقدير المرء للواقعة ليستخدم لها سبيلها من غير نقصٍ ولا زيادة، وهذا أمرٌ نسبيّ، والناس يتفاوتون في تقدير الظَّرف والواقعة من جهة قدره، ثمّ إنّ هذا الأمر يعود إلى فِطرة المرء وطبيعة تكوينه، فالنّفوس تتفاوت وهي ليست على طبيعة واحدة، وهذا من أعظم الأدلّة على قدرة الله وحكمته، ولعلّ كلّ واحدٍ منّا عنده مخيالٌ ما لصورة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومخيال آخر لصورة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وهما أعظم النّاس وأكملهم بعد الأنبياء، والصّورتان تختلفان كثيرًا، وحمل الواحدة على الأخرى هو من أفسد ما يخطر على بال المرء.
بل لو قرأ المرء القرآن بتمعّن لوجد هذا التّفاوت النّفسي بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فليس من قال: (( ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارًا ) )، كمن قال: (( إن تعذّبهم فإنّهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) )، وليست نفسية موسى عليه السّلام في شدّته حين غضب على الحجر الذي هرب بثيابه فجعل يضربه بعصاته حنقًا عليه، [وهي صورة تدلّ على حالة الغضب التي ملكت على موسى عليه السلام نفسه حتّى جعل يضرب الحجر] ، قلت ليست نفسيّة موسى عليه السّلام وتكوينها، كنفسيّة محمّد صلى الله عليه وسلّم وهو رافعٌ يديه يدعو لأهل الطائف بالإسلام، وقد أُخرج منها مُدمى القدمين والرّأس، كسير النفس، مكلوم الخاطر.
نعم نفوس النّاس تتفاوت في تلقّيهم للحدث واستقبالهم له. فمقال محمّد سعيد رمضان البوطي لعدو الله حافظ الأسد وهو يعزّيه بوفاة ابنه الذي كتبناه في ترجمته قد يتلقّاه البعض بقوله: سامحه الله وغفر له. وقد يتلقّاه الآخر بقوله: نعوذ بالله من الخذلان. وقد يتلقّاه آخر بقوله: ما أظنّ إلاّ أنّ الله قد غضب على البوطيّ في هذه الكلمة. وقد يقول آخر: هذا رجلٌ عدوٌّ لله .. وهي عبارات شرعيّة بمجملها، وإذا أردنا أن نتخيّل عمر بن الخطّاب في تلقّيه لهذا الحدث لتخيّلنا مخيالا متقاربًا، أمَّا أنا فإنّي لأجزم أنّه لو سمع عمر بن الخطّاب، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها لِرجل آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم لقال له: ويلك، أتتألّى على الله، ثم علاه بدرّته حتّى أدمى رأسه.
أمّا أن يقولها شيخ معمّم لحاكمٍ بعثيّ نصيري حاقد، كافر، لعين، عدوّ للإسلام وأهله، فما أظنّ حدّ الردَّة بعيدًا عنه، أو على أقلِّ تقدير أنّ قوله تعالى: {هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان} نازلة في حقّ البوطي وأمثاله.
بيان الجهة الثانية: استحقاق هؤلاء الأعلام لهذه الألفاظ. تقديرات النّاس هذه الأيام لما هو عظيم جليل، وما هو حقير رذيل تتفاوت وتختلف، فالجماعات والأفراد تتعامل مع القضايا بحسب ما تراه مناسبًا وضروريًّا، فبعض المسلمين لا يُقيم وزنًا لشرك القبور، ويقيم الدّنيا ولا يقعدها لقضيّة أخرى يراها مهنة جليلة، مثل قتال اليهود في فلسطين، وآخر يعلّق مناط الولاء والبراء على قضيّة توحيد الأسماء والصفات، ولا يقيم رأسًا لشرك الدساتير الوضعية والقوانين الشركيّة، وآخر همّه حمل السّلاح والقتال ولا يهتمّ لمسألة التّوحيد ومسائل البدع، وآخر، وآخر، فمناطات الناس واهتماماتهم ليست واحدة، وعلى ضوء هذه الاختلافات يعلّق النّاس ولاءهم وبراءهم، وتشتدّ عباراتهم أو تلين.
وللتوضيح فسأضرب بعض الأمثلة:
الأستاذ راشد الغنّوشي: رجلٌ يعشق الحرّية والدّيمقراطيّة، وهو سياسي ليبرالي إلى مشاشه، لو سألته -وقد سئل- عن رأيه في حركة التجديد التي قام بها محمّد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربيّة، فأجاب:"بحثت كثيرًا عن كلمةٍ واحدةٍ في مؤلّفات محمّد بن عبد الوهاب تتعلّق بتوزيع الثّروة فلم أجد". (عجبي!! ربّما اكتشف راشد أنّ أنابيب البترول كانت زمن ابن عبد الوهاب ممدودة سرًّا إلى أمريكا) .
الشيخ ناصر الألباني: متوقّف في تكفير صدّام حسين، لأنّه لم يثبت لديه أنّ صدام حسين يستحلّ الحكم بغير ما أنزل الله، والشيخ ناصر كفّر حسن السَّقّاف (رجل بدعي ضلالي مهتمّ بتكفير ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم) لأن الشيخ ناظره وتبيّن له أن السقّاف مُعرِض عن الحقّ، والشيخ ناصر لم يكفّر مدّعي النّبوة لأنّه جاهل. (تقديرات) .