فهرس الكتاب
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: "مكردس" بمعنى: مكدوس، يقال: كَرْدس الرجل خيله: إذا جمعها كراديس، أي قِطَعًا كِبَارًا، وَيحْتَمِلُ أن يكون معناه: المكسور فَقَارِ الظهر، وَيحْتَملُ أن يكون من الْكَرْدسة، وهو الْوِثَاق، يقال: كُرْدِسَ الرجلُ: جُمِعت يداه ورجلاه، حكاها الجوهريّ. انتهى (١) .
وقوله: (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ) هذا صريح في أن قوله: إن قعر جهنم … إلخ من كلام أبي هريرة - رضي الله عنه -، وليس مرفوعًا.
وقوله: (إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا) قال النوويّ رحمه اللهُ: هكذا هو في بعض الأصول لسبعون بالواو، وهذا ظاهر، وفيه حذفٌ، تقديره: إن قعرَ جهنم سَيْرُ سبعين سنة، ووقع في معظم الأصول والروايات: "لسبعين" بالياء، وهو صحيح أيضًا، إِمّا على مذهب من يَحْذِف المضافَ، ويُبقي المضاف إليه على جرّه، فيكون التقدير "سَيرُ سبعين" ، وإِمّا على أن "قَعْرَ جهنم" مصدرٌ، يقال: قَعَرْتُ الشيءَ: إذا بَلَغْتَ قَعْرَهُ، ويكون "سبعين" ظرف زمان، وفيه خبر "إنّ" ، والتقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفًا، والخريفُ: السنة. انتهى (٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ التوجيه: بإبقاء المضاف إليه على حاله بعد حذف المضاف، فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن شرطه أن يكون المحذوف معطوفًا على مماثله، كما قال في "الخلاصة" بقوله:
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ
وذلك كقول الشاعر [من المتقارب] :
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً … وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا
فجرّ "نارٍ" ؛ لوجود الشرط، وهو العطف على مثله، فيكون التقدير: "وكلَّ نار" ، وهنا ليس هكذا، فعندي الأولى أن يُخرّج على لغة من يُعرب الجمع المذكر السالم كلفظ "حين" في الإعراب على النون، كما في قوله:
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ … لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا