• وأَمَّا قَوْلُهُ: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} (١) فَإِنَّهُ أَرَادَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بالنُّشُوْرِ وَالْبَعْثِ (٢) ، وعِنْدَهُما يَكُوْنُ لِقَاءُ الله، وَالْمَصيرُ إِلَيه، وإِلى حِسَابِه، وَعَفْوه، أَو عِقَابِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بالنَّظَرِ إِلَيهِ لِأَنَّهُمْ قَبْل النَّظَرِ لَمْ يُؤْمِنُوْا بِالْبَعْثِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، وَمَنْ أَنْكَرَ الأَصْلَ فَهُوَ أَحْرَى أَلَّا يُقِرَّ بِالْفَرْع، وَلِأَنَّ اللِّقَاءَ قَدْ يَكُوْنُ مِنْ غَيرِ نَظَرٍ، وَيَكُوْنُ مَعَ النَّظَرِ عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ، وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ التَّأْوِيلُ لِكُلِّ مُتَأَوِّلٍ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} (٣) يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيبِ. والظَّنُ هَاهُنَا يَقِينٌ (٤) ، وَلَمْ يُرِدِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ نَاظِرُوْنَ إلى اللهِ.
• وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} (٥) فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ: إِنَّهُمْ رَاجِعُوْنَ إِلَيهِ فَيَأْخُذُ لَهُمْ مِنِّي إنْ طَرَدْتُهُمْ بِذَلك (٦) . عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ} (٧) يُريدُ مَنْ يُجِيرُنِي مِنْهُ إِنْ سَخِطَ عَلَيَّ بِطَرْدِي لَهُمْ (٨) . وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الْمَحْذُوْفِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِظَاهِرِ الْكَلامِ عَلَيهِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَيَكُونُ لِقَاءُ اللهِ الموتَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْبَعْث، وَالْبَعْثُ يُؤَدِّي إِلَى لِقَاءِ اللهِ (٩) . وَمِنْهُ يَقُوْلُ النَّاسُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي لِقَائِكَ؛ يُرَادُ بَارِكْ لِي فِي الْمَوتِ.