فهرس الكتاب
ففي الانفجار الكوني الأول وقبل تشكل العناصر المادية المختلفة كان الكون كله مؤلفًا من عنصر واحد هو الهيدروجين (مولد الماء) ففي هذه المرحلة لم يكن ثمة مجرات ولا كواكب ولا نجوم ولا حياة سوى الهيدروجين وفي هذه المرحلة كان أمر الله على مولد الماء، فقال {وكان عرشه على الماء} [هود 7] . وهذا هو العرش الأول.
وفي الآية الثانية: بعد ان تكونت المجرات والسموات والأرض والنجوم والكواكب أصبح عرش الله"أمره"عليها فقال: {ثم استوى على العرش} [الأعراف 54] وهذا هو العرش الثاني ...
وفي الآية الثالثة: بعد أن تقوم الساعة ويتكون كون جديد بقوانين جديدة، وما الساعة إلا بداية تغير بصيرورة مادة هذا الكون لكي يتكون منها كون جديد فيه نبعث ونحاسب، فأمر الله"عرشه"على هذا الكون الجديد قال عنه: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية} [الحاقة 17] وهذا هو العرش الثالث. لاحظ قوله"يومئذ".
وفي الآية الرابعة: {الرحمن على العرش استوى} العرش هنا اسم جنس لأمر الله من قبل ومن بعد، لأنه لم يعطه أية صفة إضافية كقوله: {وكان عرشهُ على الماء} و {ثم استوى على العرش} و {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} . ولا بد من الإشارة إلى أنه ليس للعرش هنا مفهوم مكاني.
وفي الآية الخامسة: إذا كان هناك عدة آلهة فلهم من يرأسهم وله الأمر والنهي عليهم لذا قال: {وإذًا لابتغوا إلى ذ العرش سبيلًا} [الإسراء 42] أي إلى ذي الأمر والنهي، ليكونوا آمرين ناهين مهيمنين مسيطرين.
أما مفهوم الاستواء فلا يعني الجلوسٍ، فأحد معاني"استوى"اللغوية هو الاستقرار والسيطرة والاستحكام ... فتأمل مفهوم الاستواء حين لا يقصد به الجلوس وإنما الاستحكام والسيطرة الكاملة ...
أما الكرسي فهو يأتي فوق العرش من ناحية المرتبة والأولويات، لا من الناحية المكانية، لأن الذي يأمر وينهي عليه أن يعلم على ماذا يأمر وينهي، فالأمر والنهي لا يتم بدون المعرفة الكاملة على ما يأمر وينهي، وهذا هو الكرسي والكرسي جاءت في اللسان العربي من"كرس"فنقول: كرست وقتي لهذا العمل، أي أعطيته كل وقتي ومعلوماتي، وقالت العرب: العلماء كراريس، ومنها جاءت الكراسة والكرسي، والكراسة هي ما يدون عليها معلومات ما. لذا قال: {وسع كرسيه السموات والأرض} لاحظ التشابه الكبير، فالكرسي هنا