*وقال مالك بن أنس -رحمه الله-:"سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورَّث جلساءه من بعده (لا أدري) ؛ حتى يكون أصلًا في أيديهم؛ فإذا سئل أحدهم عما لا يدري؛ قال: لا أدري".
*قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في"المجموع شرح المهذب":
"وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُوَرِّثَ أَصْحَابَهُ (لَا أَدْرِي) . مَعْنَاهُ يُكْثِرُ مِنْهَا، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ مُعْتَقَدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ قَوْلَ الْعَالِمِ: (لَا أَدْرِي) لَا يَضَعُ مَنْزِلَتَهُ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ مَحَلِّهِ، وَتَقْوَاهُ، وَكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَكِّنَ لا يَضُرُّهُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ مَسَائِلَ مَعْدُودَةً، بَلْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ: (لَا أَدْرِي) عَلَى تَقْوَاهُ، وَأَنَّهُ لَا يُجَازِفُ فِي فَتْوَاهُ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ (لَا أَدْرِي) : مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَقَصُرَتْ مَعْرِفَتُهُ، وَضَعُفَتْ تَقْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ لِقُصُورِهِ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ الْحَاضِرِينَ، وَهُوَ جَهَالَةٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْجَوَابِ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ يَبُوءُ بِالْإِثْمِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَرْفَعُهُ ذَلِكَ عَمَّا عُرِفَ لَهُ مِنْ الْقُصُورِ، بَلْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قُصُورِهِ؛ لِأَنَّا إذَا رَأَيْنَا الْمُحَقِّقِينَ يَقُولُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ: (لا أَدْرِي) ، وَهَذَا الْقَاصِرُ لَا يَقُولُهَا أَبَدًا؛ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَتَوَرَّعُونَ لِعِلْمِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ، وَأَنَّهُ يُجَازِفُ لِجَهْلِهِ وَقِلَّةِ دِينِهِ، فَوَقَعَ فِيمَا فَرَّ عَنْهُ، وَاتَّصَفَ بِمَا احْتَرَزَ مِنْهُ، لِفَسَادِ نِيَّتِهِ وَسُوءِ طَوِيَّتِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ، كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ". أهـ."