فهرس الكتاب

الصفحة 1540 من 5784

خاص له بواعثه وأعراضه، وأولها ضعف الأعصاب، فالرجل السليم لا يتطيّر ولا يتشاءم، لأنه ينتظر من الدنيا خيرا، ولا يحس النفرة بينه وبينها، ومن ثم لا يحس الخوف ولا التطيّر منها، ويمكن أن نعتبر الطيرة أنها تشاؤم مؤقت استدعته ظروف طارئة، وجوّ يلائم حالات اليأس والتشاؤم العارضة، فاذا بالمتطيّر يتسلف الفزع من الشر قبل وقوعه.

ابن الرومي شاعر التطيّر:

ومن شعرائنا الذين اشتهروا بالطيّرة ابن الرومي، فقد كان يشعر من قرارة نفسه أنه فروقة حذور، وهو في الوقت نفسه يشعر أن حذره لا يدفع عنه ما هو مراد به، ولكنه يرى أنه لا مندوحة له عنه للاعتصام به، وليستشعر الأمن الذاهب والقلق الواجف:

فآمن ما يكون المرء يوما ... إذا لبس الحذار من الخطوب

ويرى بعض النقاد أن من روافد الطيرة في ابن الرومي ذوق الجمال وتداعي الخواطر، ذلك أن النفس المطبوعة على استذواق الجمال تفرح وتهلل للمناظر المغرية الأخاذة، وبالعكس تنفر وتنقبض من المناظر الدميمة الشوهاء، أما تداعي الخواطر فصاحبه فريسة للنوازع عرضة للتأويلات التي لا مسوّغ لها يستخرج من الكلمات المهموسة، أو الفكر الطارئة أمورا يحذر منها المرء ويخاف، فقد كان ابن الرومي يتطير من صديقه جعفر في حال مرضه، ولكنه لم يتطير منه قبل المرض، ودعواه أن جعفرا مشتق من الجوع والفرار، والخان يذكّره بالخيانة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت