الصفحة 30 من 194

وهكذا يبدو من خلال الآيتين أن الإيمان والتقوى وتحقيق منهج اللّه في واقع الحياة البشرية في هذه الحياة الدنيا ، لا يكفل لأصحابه جزاء الآخرة وحده - وإن كان هو المقدّم وهو الأدوم - ولكنه كذلك يكفل صلاح أمر الدنيا ، ويحقق لأصحابه جزاء العاجلة .. وفرة ونماء وحسن توزيع وكفاية .. يرسمها في صورة حسية تجسم معنى الوفرة والفيض في قوله: «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» ..

وهكذا يتبين أن ليس هنالك طريق مستقل لحسن الجزاء في الآخرة وطريق آخر مستقل لصلاح الحياة في الدنيا. إنما هو طريق واحد ، تصلح به الدنيا والآخرة ، فإذا تنكب هذا الطريق فسدت الدنيا وخسرت الآخرة .. هذا الطريق الواحد هو الإيمان والتقوى وتحقيق المنهج الإلهي في الحياة الدنيا ..

وهذا المنهج ليس منهج اعتقاد وإيمان وشعور قلبي وتقوى فحسب ، ولكنه كذلك - وتبعا لذلك - منهج حياة إنسانية واقعية ، يقام ، وتقام عليه الحياة .. وإقامته - مع الإيمان والتقوى - هي التي تكفل صلاح الحياة الأرضية ، وفيض الرزق ، ووفرة النتاج ، وحسن التوزيع ، حتى يأكل الناس جميعا - في ظل هذا المنهج - من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

إن المنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلا من الدنيا ولا يجعل سعادة الآخرة بديلا من سعادة الدنيا ، ولا يجعل طريق الآخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت