الصفحة 111 من 172

ولذلك انتهت دراسة حذيفة رضي الله عنه لمثل هذه التغريرات إلى الجزم بأن هناك نورا إيمانيا في قلب المؤمن ينير له طريقه في الظلمات التي استدرج إليها، تفشل معه خطط اللصوص هؤلاء، ويستطيع الرجوع على ضوئه، فقال:

(إن في قلب المؤمن سراجًا يزهر) (1) .

فهو يزهر كما يقول، أي يتألق ويسطع سناه.

والإيمان يزيد وينقص، فربما خفت السراج في ساعة جزر، فيستدرج المؤمن، لكنه سرعان ما يعود إلى الإزهار مع المد الإيماني، طالما أن أصل الإيمان أرجح فيه من أصول الشهوات، فتكون النجاة.

والعرف الإيمان يحفظ لكل معصية توبة نسبية خاصة، ما زال المؤمنون يستدركون بهن التفريط، ولكن أكثرهم ما زال يجهل التوبة من طلب الرئاسة وأمثالها من مقدمات الفتن، ففطن ابن تيمية لهذه الغفلة عن هذه التوبة، وطفق يذكرنا بأن:

(باب التوبة مفتوح، فإن الرجل قد يسأل الإمارة فيوكل إليها، ثم يندم فيتوب من سؤاله، فيتوب الله عليه ويعينه:

إما على إقامة الواجب.

وإما على الخلاص منها) (2) .

وتوبة الله على طالب الرياسة بإعانته على القيام بواجبها أثمن من الخلاص منها ولا شك، لتضمنها معنى الستر وأمن الإنفضاح، وإتاحتها للتائب مجال الاكتيال من أجر الإمامة الذي لا يكاد يعدله أجر.

فهذا صحاب السراج، إن لم ينر له نور عصمة: أنار له نور توبة.

أما الذي اطفأت ريح الشهوات سراجه، ففي واد آخر، وشأن مختلف، واضطرب متعب، حتى أن ابن تيمية انكسر قلبه عليه لما رآه في تقلبه:

(يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق) (3) .

وهذه ترديات تثير الشفقة دون ريب، وتدعونا إلى تعميم الاحتياط منها، بزيادة إيقاد أنوار الفطنة في قلوب المؤمنين، وتناوش قبس ذكي يجد الدعاة عليه هدى، ويسعى جماله بين أيديهم يدعوه الفقه باسم:

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 20/45، 10/578/216.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت