*أهان الهوى حتى تجنبه الهوى* (1)
فنزدريه، ونهزأ به، ونضحك عليه، حتى يولي مدبرًا، يتجنب المرور عبر دربنا بعدها أبدا.
أصبحت علامة السالك، الصادق في هجرته إلى الله تعالى، علامة واضحة يتعرف إليها الداعية الذي أرهبته أهوال وصف الهوى الناقض لحيوية الابتداء المتحرك الدفاق النابض، تعرفا سريعًا لا يحتاج إلى مزيد فراسة وتجربة.
فليس من عجب إذن أن يسرع أبو علي الروذباري الإشارة إليها لما سألوه عنها، ولا عجب ثانية للبلاغة التي انبغت له وكانت بين يديه، حين طفق يمنح هوية العمل وفق شروط ثلاثة، ويحكر صادق السلوك علي:
(من سلك طريق المصطفى.
وأطعم الهوى ذوق الجفا.
وكانت الدنيا منه على القفا) (2) .
ليس لمقبل على دنيا، أو صريع هوى معهم نصيب.
عصبة العزم باقية
إنه سلوك طريق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أول الشروط، بل البديهية التي قد لا يرى البعض حاجة لذكرها، ولكن من يعلم أن بعض آيات الله هن أم الكتاب وآخر يعدلن الثلث: يعلم أيضا أن بعض كلمات المصطفى -صلى الله عليه وسلم- المحددة لطريقه الذي ندب لنا الروذباري سلوكه: هن أمهات الحديث، يضعن الموازين، ويرسين القواعد، ويجمعن المتفرق، وإياهن يعني الروذباري قبل أن يكون عني الجزئيات، وعليهن يؤكد.
ولقد تحدث -صلى الله عليه وسلم- عن أمة حزم ضمن أمته العظمى التي تنتسب إليه، لا تترخص مع المترخصين، ولا تغفل مع الغافلين، بل تأخذ القرآن والسنة بعزم، ثم جعل لها علامة صارت ميزانا إسلاميا، فقال:
(لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) .
(1) شطر في الأغاني 13/337.
(2) تاريخ بغداد 1/332.