الصفحة 87 من 172

(من عد كلامه من عمله: قل كلامه) (1) .

يذكرك، لعلك نسيت، أنك تحاسب على الكلام حسابا مثل الذي على عمل الجوارح.

وانظر الترابط بين مشاهدته الواضحة لهذه الحقيقة، وبين رشده وعدله وطبيعة حكمه الفذة.

حتى إن المطالع لكتب المواعظ ليكاد يرى تواطؤا بينه وبين أساتذة التربية الذين عضدوه على إقرار الإقلال من الكلام خطا تربوية للمجتمع، ومن أبرز هؤلاء: الحسن البصري، وميمون بن مهران، وعبيد بن عبد الله بن عتبة، وبقية فقهاء المدينة.

*ونقلة قريبة إلى الجيل الذي بعدهم ترينا استمرار هذا السمت عند الثقات، ففي مرثية المحدث الثقة محمد بن كناسة الكوفي لخاله الزاهد المشهور إبراهيم بن أدهم إشادة بهذا الخلق وبيان تكامله مع الصفات الإيمانية الأخرى وارتباطه بها، فيقول:

زهود يري الدنيا صغيرا عظيمها

وفي لحق الله فيها معظما

وأكثر ما تلقاه في القوم صامتا

فإن قال: بذ القائلين وأحكما

فاستصغار الدنيا، والوفاء، لا يبدو جمالهما الكامل إلا إذا اقترنا بصمت.

*ثم أستاذ الزهد في الجيل التالي: بشر بن الحارث الحافي، عضيد أحمد بن حنبل.

قالوا:

(ما أخرجت بغداد أتم عقلا، ولا أحفظ للسانه من بشر) (2) .

فأبانوا -من وجه آخر- ارتباط حفظ اللسان بالعقل، فهو قد حفظ لسانه من اللغو، فوهبه الله لسانا جريئا في موقف صدق إزاء أمير خدعته البدعة، فكان يجوب شوارع بغداد يوم تعذيب الإمام أحمد. ينتصر له، ويثبت الناس ويقود جمهور محبيه المتكتل أمام قصر المعتصم.

وهذا اللسان -لعمرو الله- هو اللسان الذي يجب أن يحرص عليه الدعاة، وبه يفخرون.

لسان اللهج بحديث في مسند أحمد، والترويج لعقيدة أحمد، وقيادة من يقتفي طريقة أحمد وطرق من سبق أحمد ومن خلفه من أئمة الفقه والفضل، لا لسان التثبيط والتخذيل.

ورحم الله داعية أمسك فضل القول، وقدم فضل العمل.

كلمة قالها عمر..

ولم نبتدعها نحن.

(1) الزهد لابن مبارك /129.

(2) تهذيب التهذيب 1/445.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت