وعلى دعاة الإسلام أن ينطلقوا اليوم من هذه الحقيقة، فينطقوا فيا بينهم بالخير الواسع، والمعني الكبير، والفقه المفيد، في عبارة ضيقة المبنى موجزة، فإن الإكثار مظنة الخطأ، من غيبة، أو تهمة برئ، أو اضطرار لاستعمال دليل ضعيف، ومن وجد في نفسه بقية شوق إلى تحريك اللسان فدون القرآن، ومزيد التسبيح، والحمد. ودونه مجالس الواهمين والدنيويين، يصدع فيها بحق الإسلام ما شاء.
نمط تربوي لابد منه لجيلنا، كي تتهيأ الجوارح لفضل فائض من العمل بمثله أمات عمل الفتن في جيله، فانبغت له الفتوح.
وفتحنا المنتظر رهن بطريقة عمر.
هذا، أو التردي المعاكس الذي لا يقف، بل يستمر نازلا هاويا، فإن القول والعمل مرتبطان، فإن أخطأت العمل: احتاجت نفسك إلى ستر الخطأ بخطأ من القول آخر زورًا.
ذلك ما لاحظه أحد الصالحين فقال:
(لن يضيع امرؤ صواب القول حتى يضيع صواب العمل) (1) .
هكذا، في متوالية رديئة، تقدم ستر الفضيحة على قول الحقيقة، والتسويغ المدلس على التوبة والاعتذار، في ظن بعيد من الانتصار يراه قريبا، واللحن يهتك حجابه.
وذهب الصمت عرفا !
وكان نتاج ذاك الحرص الراشد على الصمت الفعال فوجا آخر من التابعين يترادفون على درب العمل ويجددون النصح التربوي بإقلال الكلام.
منهم التابعي المهلب بن أبي صفرة الأزدي حين يقول:
(يعجبني أن أرى عقل الرجل الكريم زائدًا على لسانه) (2) .
كلمة تستوى في ظاهرها مع ما نسمع من طرف لسان أكثر الوعاظ، لكنها عند من يعرف المهلب قائدًا متحمسا لقتال الخوارج تمثل حساسية روح وخزها شذوذ الخوارج عن إجماع المسلمين، ولذعة قلب كواه تفاصحهم وتبجحهم الزائد إزاء عقل يناديهم باجتماع تتمكن معه جيوش الإسلام من مواصلة الزحف على معاقل الكفر بدل تطاحن داخلي بين طرفين كلاهما موحد.
*ثم عمر بن عبد العزيز الذي يقول:
(1) سراج الملوك للطرطوشي/375.
(2) تاريخ بغداد 9/300.