الصفحة 117 من 172

ومن له تأمل في حال الأمة اليوم يرى تجمع الدعاة الحالي، وهجرتهم من التسيب والتفرد والضياع في خضم الحياة الجاهلية الحاضرة إلى دار الدعوة والعمل والانتظام، أشبه ما يكون بتلك الهجرة الأولى.

فمن خرج عن الجماعة، ورضي بأن يكون سائبا، فقد أتى إلى ركن بلا قواعد، ف إن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يقول:

( من أراد منكم بحبحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد،وهو من الاثنين أبعد) (1) .

وإذا كان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قد أذن لسلمة رضي الله عنه بالتعرب والرجوع إلى البداوة فمن ذا الذين يأذن اليوم لهؤلاء الذين يخلعون الطاعة وعافون الجماعة؟

لا أحد والله، ولعلها كبيرة كتلك الكبيرة.

فواقع الإسلام لا يأذن.

والفقه لا يأذن.

والقلب الحي لا يأذن.

والمروءة لا تأذن.

ولقد هاجرتم أيها الدعاة إلى مدينة الدعوة، فاحذروا أن يفسد ما أنتم فيه غضب أو هو أو حب رياسة، أو طاعة زوجة، أو حرص على مال.

ألا أنها هجرتكم فاحفظوها.

زادكم الله ثباتًا.

وإنما عهدنا بكم أنكم...

مهاجرون تأبون البداوة...

ما برحت الأيام تؤكد أن ضخامة حجم معطيات التنظيم الحركي التي جنتها الدعوة الإسلامية الحديثة هي أكبر مما صورته تخمينات رعيل الدعاة الأول.

عرف ذاك الرعيل قابلية التنظيم الذي هم بصدد إنشائه على تجميع الجهود ونقل العمل من أطواره العفوية وارتباطه بردود الفعل الساذجة إلى تخطيط يوضح تفاضلا لحاجات ويكشف المصلحة الكامنة في تجاوز المفضول منها في سبيل إسراع في الوصول إلى هدف أهم. ولم يكن ما سببته المحن المتلاحقة من تأخر في الوصول إلى الغاية النهائية ليثلم صورًا متعددة لأكثر من نجاح حققته الدعوة في الوصول إلى أهداف مرحلية بارزة.

ومع ذلك، فإن هذا الانتقال إلى الانتظام الحركي، شأنه شأن كل خير، قد جاء بفوائد أخرى ثمينة لعلها لم تخطر على بال بعض الرواد الذين بدأوه.

مصفاة الرجال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت