فهرس الكتاب
وأجلى اتضاح حاضر للفوائد التي لم تكن مرتقبة أول مرة: يظهر فيما قام به العمل الحركي من استخلاص الصالحين فحسب من بين جمهرة المتصدين للنشاطات الإسلامية.
المتصدون كثرة كثيرة، ولكن مراتب نياتهم وهممهم ووعيهم متعددة، حتى إن بعضهم لينزل إلى مستوى هابط يولد الضرر، من بين مدخول في نيته له إلى المنفعة الشخصية قدم ممدودة، وبادر في همته يتصدر في وقت احتداد فيغفو ويسوف، أو قليل ذكاء لا ينظر ما حوله ولا له في معرفة الواقع نصيب.
وحالة التسيب والتفرد واستقلال شخصيات هؤلاء المتصدين لا يمكنها أن تقدم أبدًا وسيلة للتمييز الضروري بين هذه المستويات المختلفة، إذ التمييز ليس هو إلا نتيجة لممارسة وزن الأشخاص وأعمالهم بميزان معين ونموذج محدد موصوف، وهذا التعيين والتحديد لا يتصور حصوله إلا من جماعة تتواطأ عليه مواطأة اقتناعية من لدن بعض أفرادها، تكتمل بمواطأة أخرى تفويضية يتنازل فيها البعض الآخر عن اجتهادهم المخالف ويتعهدون بالعمل وفق اجتهاد الفئة الأولى وإن قلت، حسبما يكون عليه النظام الذي ارتضوه لتحديد العلاقات بينهم وتمثل كل خطة جماعية في حقيقتها مجموعة هذه المواطآت.
وبذلك تصبح هذه الموازين المتفق عليها، المسماة بالخطة: أداة تمييز بين المتصدين للعمل. من وافقها وكانت له القدرة على تنفيذ جزء منها: حظي بوصف الصلاح. ومن خالفها، أو لم يستطع المشاركة في تنفيذ شيء منها: نحي إلى جانب إن لم يستقم أمره بعد محاولة تربوية وتدريبية معه.
فلولا الانتظام الحركي لما كانت هذه الخطة، ولولا الخطة لما كانت تنقية المتصدين، ولظلت جمهرتهم متناقضة دومًا، وفي هذا ما يشير إلى أن ظاهرة الافتتان إنما هي ظاهرة طبيعية في الحركات، بل ما يشير إلى أنها ضرورة لازمة، لما فيها من تنقية مزيج الرجال المتباين النيات والقابليات والاجتهادات.
وكاد الشاعر القديم أن يقترب من هذه الحقيقة لما مدح صاحبه فوصفه بأنه:
*محض إذا مزج الرجال، مهذب*