فهرس الكتاب
إذ ليس من الممكن استمرار التباين إذا مزج الرجال، بل لا بد من تمحض المهذب الصالح مع أمثاله وظهورهم دون ما هنالك في المزيج من كدر وشوائب وغثاء.
أفرأيت في الفيزياء كيف تعمل القوة المركزية ند حركة الدوران بمزيج ما على فصل مكوناته حسب كثافاتها؟ فكذلك قوة الخطة الصادرة من مركز التجمع، تفضل من خلال دوران دولاب العمل ومن خلال التحرك اليومي الهادف مزيج الرجال حسب كثافاتهم النوعية، فمنهم الثقيل الراسخ، ومنهم الخفيف الطافي، فطرة الله تعالى التي خلق الناس عليها، كان ذلك قدرًا مقدورًا.
ولكن القدر يصارع بالقدر، والأسباب قريبة ميسورة، ولذلك كانت التربية الرفيقة، والنذارة، من الواجبات المفروضة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة.
وأنوار الفطنة الماضية لم تأت إلا في هذا المساق التربوي، الذي يمد صاحب بذرة الحياة بحيوية نماء ورباء.
وفي نفس المساق يرتفع على سارية التربية التحذيرية:
النور العشرون، واصفا جمال:
تعليق الضحية على أمر القادة
فإن مبادرة الداعية إلى التضحية بروحه، بلا استئذان الأمير، مهدورة القيمة عند الفقهاء، مجردة من الفضائل، وربما كانت إثمًا إذا نتج عنها توريط الدعوة بما لم تحسب له حسابًا، وتكون عندئذ فتنة كبقية الفتن.
فقلة إدراك بعض متحمسة الدعاة لأصول العمل، وجهلهم بالواقع الذي يحط بهم، يؤدي بهم أحيانًا إلى فهم التأني والتربية المرحلية أو الحذر في الانتقاء على أنهما بطء قيادي وخوف وإحجام عن الإقدام، فيخرجون إلى تهورات ومجازفات يؤكد النظر التحليلي فشلها ابتداء، وينفون معنى الافتتان عنهم، لما هم فيه من تعريض أنفسهم إلى مخاطر قد تصل إلى بذل الروح.
وإنما هو ظن بعيد توهموه، ولو أرادوا مصلحة الدعوة خالصة من دون موافقةالخفي من شهوات أنفسهم لأعدوا لعملهم عدته الاستشارية، ولحرصوا على انتماءاته الخططية، ولكنهم قوم يستعجلون.